وأرضِكَ مِن بَدائِعِ خَلقِكَ ، ونَبَّهتَني لِذِكرِكَ وشُكرِكَ وواجِبِ طاعَتِكَ وعِبادَتِكَ ، وفَهَّمتَني ما جاءَت بِهِ رُسُلُكَ ، ويَسَّرتَ لي تَقَبُّلَ مَرضاتِكَ ، ومَنَنتَ عَلَيَّ في جَميعِ ذلِكَ بِعَونِكَ ولُطفِكَ .
ثُمَّ إذ خَلَقتَني مِن حُرِّ « 1 » الثَّرى ، لَم تَرضَ لي يا إلهي بِنِعمَةٍ دونَ أخرى ، ورَزَقتَني مِن أنواعِ المَعاشِ وصُنوفِ الرِّياشِ بِمَنِّكَ العَظيمِ عَلَيَّ ، وإحسانِكَ القَديمِ إلَيَّ ، حَتّى إذا أتمَمتَ عَلَيَّ جَميعَ النِّعَمِ ، وصَرَفتَ عَنّي كُلَّ النِّقَمِ ، لَم يَمنَعكَ جَهلي وجُرأَتي عَلَيكَ أن دَلَلتَني عَلى ما يُقَرِّبُني إلَيكَ ، ووَفَّقتَني لِما يُزلِفُني لَدَيكَ ، فَإِن دَعَوتُكَ أجَبتَني ، وإن سَأَلتُكَ أعطَيتَني ، وإن أطَعتُكَ شَكَرتَني ، وإن شَكَرتُكَ زِدتَني ، كُلُّ ذلِكَ إكمالًا لِأَنعُمِكَ عَلَيَّ ، وإحسانِكَ إلَيَّ .
فَسُبحانَكَ سُبحانَكَ ! مِن مُبدِئٍ مُعيدٍ حَميدٍ مَجيدٍ ، وتَقَدَّسَت أسماؤُكَ ، وعَظُمَت آلاؤُكَ ، فَأَيُّ أنعُمِكَ يا إلهي احصي عَدَداً أو ذِكراً ، أم أيُّ عَطاياكَ أقومُ بِها شُكراً ، وهِيَ يا رَبِّ أكثَرُ مِن أن يُحصِيَهَا العادّونَ ، أو يَبلُغَ عِلماً بِهَا الحافِظونَ ! ثُمَّ ما صَرَفتَ ودَرَأتَ « 2 » عَنِّي اللَّهُمَّ مِنَ الضُّرِّ وَالضَّرّاءِ أكثَرُ مِمّا ظَهَرَ لي مِنَ العافِيَةِ وَالسَّرّاءِ .
وأنَا أشهَدُ يا إلهي بِحَقيقَةِ إيماني ، وعَقدِ عَزَماتِ يَقيني ، وخالِصِ صَريحِ تَوحيدي ، وباطِنِ مَكنونِ ضَميري ، وعَلائِقِ مَجاري نورِ بَصَري ، وأساريرِ صَفحَةِ جَبيني ، وخُرقِ مَسارِبِ نَفَسي ، وخَذاريفِ « 3 » مارِنِ « 4 » عِرنيني « 5 » ، ومَسارِبِ
هامش
( 1 ) . الحُرّ من الطين والرَّمل : الطيّب . وحرّ كلّ أرضٍ : وسطها وأطيبها ( تاج العروس : ج 6 ص 261 « حرر » ) .
( 2 ) . الدَّرأُ : الدَّفع ( الصحاح : ج 1 ص 48 « درأ » ) .
( 3 ) . الخُذروف : عُوَيد ، أو قصَبَة مشقوقة ، يفرضُ في وسطه . . . ( تاج العروس : ج 12 ص 157 « خذرف » ) . وقد استعاره عليه السلام لمجاري الأنف هنا .
( 4 ) . المارِن : ما لان من الأنفِ وفَضَل عن القصَبَة ( الصحاح : ج 6 ص 2202 « مرن » ) .
( 5 ) . العِرنِينُ : الأنف ( النهاية : ج 3 ص 223 « عرن » ) .