ابتَدَأتَني بِنِعمَتِكَ قَبلَ أن أكونَ شَيئاً مَذكوراً ، وخَلَقتَني مِنَ التُّرابِ ثُمَّ أسكَنتَنِي الأَصلابَ ، أمناً لِرَيبِ المَنونِ « 1 » وَاختِلافِ الدُّهورِ ، فَلَم أزَل ظاعِناً « 2 » مِن صُلبٍ إلى رَحِمٍ في تَقادُمِ الأَيّامِ الماضِيَةِ ، وَالقُرونِ الخالِيَةِ ، لَم تُخرِجني - لِرَأفَتِكَ بي ، ولُطفِكَ لي وإحسانِكَ إلَيَّ - في دَولَةِ أيّامِ الكَفَرَةِ ، الَّذينَ نَقَضوا عَهدَكَ وكَذَّبوا رُسُلَكَ ، لكِنَّكَ أخرَجتَني رَأفَةً مِنكَ وتَحَنُّناً عَلَيَّ لِلَّذي سَبَقَ لي مِنَ الهُدَى ، الَّذي فيهِ يَسَّرتَني ، وفيهِ أنشَأتَني ، ومِن قَبلِ ذلِكَ رَؤُفتَ بي بِجَميلِ صُنعِكَ وسَوابِغِ نِعمَتِكَ ؛ فَابتَدَعتَ خَلقي مِن مَنِيٍّ يُمنى ، ثُمَّ أسكَنتَني في ظُلُماتٍ ثَلاثٍ ، بَينَ لَحمٍ وجِلدٍ ودَمٍ ، لَم تُشَهِّرني بِخَلقي « 3 » ، ولَم تَجعَل إلَيَّ شَيئاً مِن أمري .
ثُمَّ أخرَجتَني إلَى الدُّنيا تامّاً سَوِيّاً ، وحَفِظتَني فِي المَهدِ طِفلًا صَبِيّاً ، ورَزَقتَني مِنَ الغِذاءِ لَبَناً مَرِيّاً ، وعَطَفتَ عَلَيَّ قُلوبَ الحَواضِنِ ، وكَفَّلتَنِي الامَّهاتِ الرَّحائِمَ ، وكَلَأتَني « 4 » مِن طَوارِقِ الجانِّ ، وسَلَّمتَني مِنَ الزِّيادَةِ وَالنُّقصانِ ، فَتَعالَيتَ يا رَحيمُ يا رَحمانُ .
حَتّى إذَا استَهلَلتُ ناطِقاً بِالكَلامِ ، أتمَمتَ عَلَيَّ سَوابِغَ الإِنعامِ ، فَرَبَّيتَني زائِداً في كُلِّ عامٍ ، حَتّى إذا كَمُلَت فِطرَتي ، وَاعتَدَلَت سَريرَتي ، أوجَبتَ عَلَيَّ حُجَّتَكَ بِأَن ألهَمتَني مَعرِفَتَكَ ، ورَوَّعتَني بِعَجائِبِ فِطرَتِكَ ، وأنطَقتَني لِما ذَرَأتَ في سَمائِكَ
هامش
( 1 ) . المنون : الدَّهرُ . والموتُ ( القاموس المحيط : ج 4 ص 272 « منّ » ) .
( 2 ) . ظَعَنَ : سارَ ( الصحاح : ج 4 ص 2159 « ظعن » ) .
( 3 ) . قال العلّامة المجلسي : لم تشهّرني بخلقي ؛ أي لم تجعل تلك الحالات الخسيسة ظاهرة للخلق في ابتداء خلقي لأصير محقّراً مهيناً عندهم ، بل سترت تلك الأحوال عنهم ، وأخرجتني بعد اعتدال صورتي وخروجي عن تلك الأُصول الدّنية ( بحار الأنوار : ج 60 ص 373 ) . هذا وفي البلد الأمين : « لَم تُشهِدني خلقي » .
( 4 ) . كَلأهُ : حرسه ( القاموس المحيط : ج 1 ص 26 « كلأ » ) .