والمتكلّمون تعارفوا فيما بينهم أن يسمّوا ما يقتضي هذا البداء باسمه ، فقالوا : إذا أمر اللَّه تعالى بالشيء في وقت مخصوص على وجه معين بمكلف واحد ، ثمّ نهى عنه على هذه الوجوه كلّها ، فهو بداء ؛ لأنّه يدلّ عليه من حيث لم تظهر أمر لم يكن ظاهراً أمّا جاز أن يطابق المنهي أمر بهذه الطائفة .
وفرّقوا بين النسخ والبداء باختلاف الوقتين في الناسخ والمنسوخ .
والبداء على ما حدّدناه لا يجوز على اللَّه تعالى ؛ لأنّه عالم بنفسه ، لا يجوز له أن يتجدّد كونه عالماً ، ولا أن يظهر له من المعلومات مالم يكن ظاهراً .
ولهذا قالوا : إذا كان البداء لا يجوز عليه لم يجز أيضاً عليه ما يدلّ على البداء ، أو يقتضيه من النهي عن نفس ما امر به على وجهه في وقته ، والمأمور والمنهي واحد .
وقد وردت أخبار آحاد لا توجب علماً ، ولا تقتضي قطعاً ، بإضافة البداء إلى اللَّه تعالى ، وحملوها محققو أصحابنا على أنّ المراد بلفظة البداء فيها النسخ للشرائع ، ولا خلاف بين العلماء في جواز النسخ للشرائع .
وبقي أن نبين هل لفظة « البداء » إذا حملت على معنى النسخ حقيقة أو مستعارة ؟
ويمكن أن ينصّ أنّها حقيقة في النسخ غير المستعارة ؛ لأنّ البداء إذا كان في اللغة العربية اسماً للظهور .
وإذا سمّينا من ظهر له من المعلومات ما لم يكن ظاهراً ، حتّى اقتضى ذلك أن يأمر بنفس ما نهى عنه ، أو ينهي عن نفسه ما أمر به ، أنّه قد بدا ، لم يمتنع أن يسمّي الأمر بعد النهي والحظر بعد الإباحة على سبيل التدريج ؛ فإنّه بداء له ؛ لأنّه ظهر من الأمر ما لم يكن ظاهراً ، وبدأ ما لم يكن بائناً ، بمعنى البداء الّذي هو الظهور والبروز حاصل في الأمرين .
فما المانع على مقتضى الاشتقاق أن يسمّي الأمرين بداءً ؛ لأنّ فيهما معاً ظهور أمر لم يكن ظاهراً .
المناهج الروائية عند الشريف المرتضى — صفحة 287
مساهمون: وسام الخطاوي
ص٢٨٧