الّتي قد تكون عشقاً على بعض الوجوه من فعل اللَّه تعالى وأنّ العباد لا يقدرون عليها ؟ وعلى هذا الوجه لا يمكنكم إنكار ما تضمّنه السؤال ؟
ويجيب عن ذلك : « لم ننكر ما وردت به هذه الرواية الخبيثة من جهة أنَّ الشهوة تتعلّق بفعل العباد ، وأنّها معصية مليحة ، بل من جهة أنّ عشق الأنبياء عليهم السلام لمَن ليس يحلّ لهم من النساء منفّر عنهم ، وحاط من مرتبتهم ومنزلتهم ، وهذا ممّا لا شبهة فيه ، وليس كلّ شيء يجب أن يجتنبه الأنبياء عليهم السلام مقصوراً على أفعالهم ، ألا ترى أنّ اللَّه تعالى قد جنّبهم الفظاظة والغلظة والعجلة ، وكلّ ذلك ليس من فعلهم ، وأوجبنا أيضاً أن يجنّبوا الأمراض المنفّرة والخلق المشينة كالجذام والبرص وتفاوت الصور واضطرابها ، وكلّ ذلك ليس من مقدورهم ولا فعلهم ؟
وكيف يذهب على عاقل أنّ عشق الرجل زوجة غيره منفّر عنه معدود في جملة معائبه ومثالبه ؟ !
ونحن نعلم أنّه لو عرف بهذه الحال بعض الامناء أو الشهود لكان ذلك قادحاً في عدالته ، وحاطّاً من منزلته ، وما يؤثر في منزلة أحدنا أولى من أن يؤثر في منازل من طهّره اللَّه وعصمه وأكمله وأعلى منزلته ، وهذا بيّن لمن تدبّر » . « 1 »
الموضع الرابع
كان للشريف المرتضى قدس سره اعتناء خاص بآراء المؤرخ الكبير محمّد بن جرير الطبري وتفسيره جامع البيان ، فقد نقل عنه عدّة آراء تفسيرية وضمّنها بالشرح والتعليق والدراسة ، ونشهد ذلك كثيراً في إشكالات تنزيه الأنبياء عليهم السلام ، فقد روى بإسناده إلى أبي هريرة عن النبيّ صلى الله عليه وآله : إنّ النار تقول : هل من مزيد ؟ إذ القي فيها أهلها حتّى يضع الربّ تعالى قدمه فيها ، وتقول : قط قط ، فحينئذ تمتلئ وينزوي بعضها إلى بعض .
هامش
( 1 ) . المصدر السابق : ص 186 - 187 .