في قلب الآخر دمه ؟ !
وما القول فيمن تأوّل هذا القول وهو « قتله » على أنّ الهاء راجعة على ما في قلبه ، وأراد : لقتله علماً ؟
وهل ذلك تأويل جائز أم لا ؟
وما القول أيضاً فيمن تأوّله على غير هذا الوجه ، فقال : إنّ معنى قوله : « لقتله » ، أي لكدّ فكره وخاطره كدّاً يجهده ، وأنّه عبّر بالقتل هاهنا على سبيل المبالغة في تعبيره عن شدة المبالغة والمشقّة ، كما يقول القائل : قتلني انتظار فلان ، ومتّ إلى أن رأيتك ، وإلى أن تخلّصت من الشدة الّتي كنت فيها عدّة دفعات ، وهو يريد الإخبار عن شدة الكلفة والمشقّة والمبالغة في وصفها .
الجواب - وباللَّه التوفيق - : إنّ هذا الخبر إذا كان من أخبار الآحاد الّتي لا توجب علماً ولا تُثلج صدراً ، وكان له ظاهر ينافي المعلوم المقطوع به تأوّلنا ظاهره على ما يطابق الحقّ ويوافقه إن كان ذلك سهلًا ، وإلّا فالواجب إطراحه وإبطاله .
وإذا كان من المعلوم الّذي لا يحيل سلامة سريرة كلّ واحد من سلمان وأبي ذر ، ونقاء صدر كلّ واحد منهما لصاحبه ، وأنّهما ما كانا من المدغلين في الدّين ولا المنافقين ، فلا يجوز مع هذا المعلوم أن يعتقد أنّ الرسول عليه السلام يشهد بأنّ كلّ واحد منهما لو اطّلع على ما في قلب صاحبه لقتله على سبيل الاستحلال لدمه ، ويعلم أنّه كان قال ذاك فله تأويل غير هذا الظاهر الّذي لا يليق بهما .
ومن أجود ما قيل في تأويله : إنّ الهاء في قوله : « لقتله » راجع إلى المطَّلِع لا إلى المطَّلَع عليه ؛ كأنّه أراد : أنّه إذا اطّلع على ما في قلبه ، وعلم موافقة باطنه لظاهره ، وشدة إخلاصه له اشتدّ ضنّه ومحبته له ، وتمسّكه بمودّته ونصرته ، فقتله ذلك الضنّ والودّ ، بمعنى أنّه كاد يقتله ، كما يقولون : فلان يهوى غيره ، وتشتد محبته له حتّى إنّه قد قتله حبه وأتلف نفسه ، وما جرى مجرى هذا من الألفاظ .
المناهج الروائية عند الشريف المرتضى — صفحة 185
مساهمون: وسام الخطاوي
ص١٨٥