يعجبب هذا التأويل ، ويبدي فيه ويعيد ، ويرى أنّه قطع به حجّة الخصم . قال ابن قتيبة : وهذا إنّما يجوز على من لا معرفة له باللغة ومخارج الكلم ، وليس هذا موضع تكثيرٍ لما يأخذه السارق فيصرفه إلى بيضةٍ تساوي دنانير ، وحبلٍ لا يقدر السارق على حمله ، ولا من عادة العرب والعجم أن يقولوا : قبح اللَّه فلاناً ! عرّض نفسه للضرر في عقد جوهر ، وتعرّض لعقوبة الغلول في جراب مسك ، وإنّما العادة في مثل هذا أن يقال : لعنه اللَّه ، تعرّض للقطع في حبل رثٍّ ، أو إداوة خلق ، أو كبّة شعر ؛ وكلّ ما كان من ذلك أحقر كان أبلغ .
قال : والوجه في الحديث أنّ اللَّه تعالى لمّا أنزل على رسوله صلى الله عليه وآله :
« وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُما جَزاءً بِما كَسَبا »
« 1 » ، قال رسول اللَّه صلى الله عليه وآله : « لعن اللَّه السارق يسرق البيضة فتقطع يده » ، على ظاهر ما أنزل عليه في ذلك الوقت ، ثمّ أعلمه اللَّه تعالى بعد أنّ القطع لا يكون إلّافي ربع دينار فمافوقه ، ولم يكن عليه السلام يعلَم من حكم اللَّه تعالى إلّاما علّمه اللَّه تعالى ، وما كان اللَّه يعرّفه ذلك جملة جملة ، بل بيّن شيئاً بعد شيء .
قال الشريف المرتضى قدس سره : ووجدت أبا بكر الأنباري يقول : ليس الّذي طعن به ابن قتيبة على تأويل الخبر بشيء ، قال : لأنّ البيضة من السلاح ليست علماً في كثرة الثمن ونهاية علوّ القيمة ، فتجري مجرى العقد من الجوهر ، والجراب من المسك ؛ اللّذين هما ربّما ساويا الألوف من الدنانير ، والبيضة من الحديد ربّما اشتريت بأقلّ ممّا يجب فيه القطع ، وإنّما أراد عليه السلام أنه يكتسب قطع يده بما لا غنى له به ؛ لأنّ البيضة من السلاح لا يستغني بها أحد ، والجوهر والمسك في اليسير منهما غنىً .
قال الشريف المرتضى قدس سره : والّذي نقوله : إنّ ما طعن به ابن الأنباريّ على كلام ابن قتيبة متوجّه ، وليس في ذكر البيضة والحبل تكثير كما ظنّ ، فيشبه العقد والجراب
هامش
( 1 ) . المائدة : 38 .