الآية أيضاً لا تتناول موضع الخلاف ؛ لأنّها تتناول نفس الآية ، والخلاف في حكمها .
على أنّ الظاهر لا يدلّ على إنّ الّذي يأتي به يكون ناسخاً ، وهو موضع الخلاف ، وهو إلى أن يدلّ على أنّه غير ناسخ أقرب ، لأنّه تعالى قال :
« ما نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِها نَأْتِ »
، وهذا يدلّ على تقدّم النسخ على إنزال ما هو خير منها ، فيجب ألّا يكون النسخ بها وهو متقدّم عليها ، ومعنى
« بِخَيْرٍ مِنْها »
أيأصلح لنا ، وأنفع في ديننا ، وأنا نستحقّ به مزيد الثواب . وليس يمتنع على هذا أن يكون مايدلّ عليه السنّة من الفعل الناسخ أكثر ثواباً وأنفع لنا ممّا دلّت عليه الآية من الفعل المنسوخ .
والشناعة بأنّ السنّة خير من القرآن تسقط بهذا البيان ، وبأنّ القرآن أيضاً لا يقال بأنّ بعضه خير من بعض بالإطلاق ، وقد ينسخ بعضه ببعض ، فإذا فصّلوا وفسّروا فعلنا مثل ذلك . فأمّا إضافة ذلك إليه تعالى وأنّ ذلك بالكتاب أليق منه بسنّة ؛ فالإضافة صحيحة على الوجهين ؛ لأنّ السنّة إنّما هي بوحيه تعالى وأمره ، فإضافتها إليه كإضافة كلامه .
وقوله تعالى :
« أَ لَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ »
« 1 » لا يدلّ على ما يكون به النسخ ، وإنّما يقتضي أنّه تعالى قادر على أن ينسخ الفعل بما هو أصلح في الدّين منه ، كان الدليل على ذلك كتاباً أو سنّة .
وغير مسلم أنّ القائل إذا قال لأحد : لا آخذ منك كذا وكذا إلّاوأعطيك خيراً منه ، أنّ الثاني يجب أن يكون من جنس الأول ، بل لو صرّح بخلاف ذلك لحسن ؛ لأنّه لو قال : « لا آخذ منك ثوباً إلّاوأعطيك فرساً خيراً منه » لما كان قبيحاً ، وقد بيّنا معنى « خيراً منها » . فليس يمتنع أن نكون السنّة وانتفع بها من وجه واحد أصلح لنا من الآية ، وإن كان الانتفاع بها من وجهين ؛ لأنّ الانتفاع الّذي هو الثواب قد يتضاعف
هامش
( 1 ) . البقرة : 106 .