خامسها : ما قاله الحسن : ان خفتم الّا تقسطوا في اليتيمة المرباة في حجوركم فانكحوا ما طاب لكم من النّساء مما احلّ لكم من يتامى قربانكم مثنى وثلاث ورباع ، وبه قال الجبائي وقال : الخطاب متوجه إلى وليّ اليتيمة إذا أراد ان يتزوجها .
سادسها : ما قاله الفرّاء : ان كنتم تتحرجون عن مواكلة اليتامى فتحرّجوا من الجمع بين النّساء وان لا تعدلوا بين النّساء ، ولا تتزوّجوا منهنّ الّا من تأمنون معه الجور . قال القاضي أبو عاصم : القول الاوّل أولى وأقرب إلى نظم الآية ولفظها » انتهى ما في مجمع البيان . وقد ظهر لك من ذلك اتفاق المفسّرين من الصدر الاوّل على تحقق الارتباط والاتصال بين الشرط والجزاء في الآية الكريمة وان اختلفوا في وجهه وبيان كيفيّته ولكن أصله مفروغ عنه عندهم .
ثم لو سلّم عدم احاطتنا على الارتباط بينهما فهو لا يلازم القول بالتحريف فلم لا تكون الآية حينئذ من المتشابهات التي يكون علمها عند أهلها الذين هم الراسخون في العلم لعدم قيام دليل على كون الآية من المحكمات التي تتّضح دلالتها ويفهم مرادها كما لا يخفى .
فانقدح من جميع ذلك بطلان هذا الدليل الذي سمّى بدليل الاعتبار بل الاعتبار يساعد بل يدلّ على عدم التّحريف لما مرّ مرارا من انّ القرآن هي المعجزة الخالدة الوحيدة ، وكان من حين النّزول متّصفا بهذه الصّفة ، معروفا بين المسلمين بهذه الجهة ، للتناسب بين استمرار الشريعة إلى يوم القيامة وبين كون المعجزة هو الكتاب الصالح للبقاء والقابل للدّوام ، ومن الواضح في مثل ذلك الذي ليس له مثل ، اهتمام المسلمين بحفظه في الصدور والكتب ليبقى الدين ببقائه ، وتحفظ الشريعة في ظلّه ، فكيف يمكن مع ذلك وصول يد التحريف إلى مقامه الشامخ وبلوغ الجناية إلى محلّه الرفيع بل وكيف يمكن مع حفظ اللّه الذي نزّله لغرض الهداية إلى يوم القيامة لجميع الامّة وكيف يرتضى المسلمون بذلك فالاعتبار دليل قطعي على عدم التحريف .
مدخل التفسير — صفحة 294
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٩٤