ترتيب النّزول فكانت المكيّات في السور المكيّة والمدنيات في سور مدنيّة الّا ان تفرض سورة نزل بعضها بمكة وبعضها بالمدينة ، ولا يتحقّق هذا الفرض الّا في سورة واحدة ، ولازم ذلك ان يكون ما نشاهده من اختلاف مواضع الآيات مستندا إلى اجتهاد من الصّحابة » انتهى ملخّص موضع الحاجة من كلامه ادام اللّه أيامه .
ويرد عليه : ان رواية عثمان بن أبي العاص وان كان بظاهرها لا يدلّ على العموم والشمول الّا انه يستفاد منها ذلك بعد ملاحظة انّه لا خصوصية لموردها خصوصا بعد ما ذكرنا من الجهات التي ترجع إلى كون الآيات مرتّبة في عهده وبيده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ، والروايات الدّالة على أن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمؤمنين انّما كانوا يعلمون تمام السّورة بنزول البسملة لا تنافى صدور الامر أحيانا بوضع آية كذا في السورة الفلانيّة فان كون العلم بتمام السّورة متوقفا على نزول البسملة لا دلالة فيه على عدم امكان وضع آية فيها بأمر من جبرئيل أصلا .
ويؤيّده انه لو كان ترتيب النزول معلوما عند الصحابة - كما هو المفروض - لكان الاعتبار يساعد على كون الترتيب بهذه الكيفية ولا مجال - على هذا التقدير - لا دخال الآية المدنيّة في السور المكيّة أو بالعكس بمجرد الظّن بالتلاؤم والتناسب بين المطالب فان مجرّد ذلك لا يقاوم الترتيب من حيث النزول الذي هو الأساس في هذا الباب ، وحينئذ يستكشف من عدم رعاية هذه الجهة كون الترتيب وتشكيل السور من الآيات التي هي جزء لها لم يكن مستندا إلى اجتهاد واستنباط ونظر وتفكر أصلا .
وبالجملة : ما تقدّم من الأدلة المثبتة لكون القرآن مجموعا في عهد النبي وبيده صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ومرتّبا مؤلّفا في زمنه ان لم يكن مثبتا لكون ترتيب السّور أيضا بأمره ونظره فلا اقلّ من اثباتها لكون ترتيب الآيات وتشكيل السور كذلك ضرورة ان له المدخلية الكاملة في ترتب غرض الكتاب وحصول الغاية المقصودة لانّ المطالب المتفرقة المتشتّتة لا تفي بتحقّق الغرض ، فالدليل على ترتيب الآيات هو الدليل
مدخل التفسير — صفحة 272
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٧٢