لملاحظته والنظر فيه ، كما يساعده الاعتبار .
وقد تحصّل من جميع ما ذكرنا : ان لفظ « الجمع » الذي يستعمل في مسألة جمع القرآن يكون له أربعة معان ، وقد وقع بينها الخلط ، ولأجله تحقّق الانحراف الذي ادّى إلى الالتزام بالتحريف ، الذي يوجب تزلزل الدين ، وضعف المسلمين ، كما عرفت في اوّل المبحث ، وهذه المعاني الأربعة عبارة عن :
1 - الجمع بمعنى التأليف والتركيب وجعل كل آية في السورة التي هي جزء لها وفي موضعها من تلك السورة وكونها آية ثانية له - مثلا - أو ثالثة أو رابعة وهكذا ، والجمع بهذا المعنى هو محلّ البحث والكلام وقد عرفت ان الجامع بهذا المعنى لا يكون الّا النبيّ بما انه نبيّ . وبعبارة أخرى لا طريق له الّا الوحي ولا يصلح اسناده إلى غير النبيّ بوجه . وسيأتي له مزيد توضيح في الجواب عن الشبهة الثالثة للقائل بالتحريف فانتظر .
2 - الجمع بمعنى تحصيل القرآن بأجمعه من الأشياء المتفرقة المكتوب عليها ومرجعه إلى كون الجامع واجدا لجميع القرآن من أوله إلى آخره وهذا هو الجمع المتحقّق في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم والمنسوب إلى غيره من الاشخاص المعدودين ، وربما يراد من الجمع بهذا المعنى جمع القرآن بجميع شؤونه من التأويل والتفسير وشأن النزول وغيره ، وهو المراد من الجمع الذي تدل الروايات الكثيرة الآتية على اختصاصه بمولانا أمير المؤمنين - عليه أفضل صلوات المصلين - .
3 - الجمع بمعنى جمع المتفرقات وكتابتها في شئ واحد كالقرطاس والمصحف بناء على مغايرته للقرطاس ، وهذا هو الجمع المنسوب إلى أبى بكر ، ويدل بعض الروايات المتقدمة على نسبته إلى عمر بن الخطّاب .
4 - الجمع بمعنى جمع المسلمين على قراءة واحدة من القراءات المختلفة التي نشأت من اختلاف السنة القبائل والأماكن ، وهذا هو المراد من الجمع المنسوب إلى عثمان كما عرفت آنفا .
مدخل التفسير — صفحة 266
مساهمون: الشيخ فاضل اللنكراني
ص٢٦٦