تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل التفسير — صفحة 257

مساهمون:

ص٢٥٧
وامّا مخالفتها للعقل فلانّ الدعوة الاسلاميّة كانت من اوّل شروعها مبتنية على امرين ، ومشتملة على جهتين : إحداهما : أصل النبوة والسّفارة والوساطة ، ثانيتهما : كونه خاتمة للنبوّات والسّفارات ، ومرجع الأخير إلى بقاء الدين القويم إلى يوم القيامة ، واستمرار الشريعة المقدسة ودوامها ، بحيث لا نبىّ بعده ، ولا ناسخ له أصلا ، حلال محمّد صلّى اللّه عليه وآله وسلّم حلال إلى يوم القيامة ، وحرامه حرام إلى يوم القيامة . ومن الواضح : ان الاتيان بالمعجزة المثبتة لهذه الدّعوى لا بد وان يكون صالحا لاثبات كلا الامرين ، وقابلا للاستناد اليه في كلتا الدّعويين ، فالمعجزة في هذا الدين تمتاز عن معجزات الأنبياء السالفين ، وتختص بخصوصية لا توجد في معجزات السّفراء الماضين ، ولأجله تختلف - سنخا ونوعا - مع تلك المعجزات غير الباقية ، والأمور الخارقة للعادة التي كان الغرض منها اثبات أصل النبوّة . ومن المعلوم أيضا : ان هذا الوصف انّما يختص به القرآن المجيد ، ولا يوجد في معجزات النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فإنه هو المعجزة الوحيدة الخالدة والدليل الفذ الباقي إلى يوم القيامة ، فالقرآن من حين نزوله كان ملحوظا بهذا الوصف ، ومنظورا من هذه الجهة التي ليس فوقها جهة ولا يرى شأن أعظم منها ، كما لا يخفى . ومع وجود هذه الخصوصية ، وثبوت هذه العظمة كيف يمكن توهّم انه لم يجمع في عصر النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم ولم يعتن بشأنه - من جهة الجمع - الرسول الأعظم ، ولا أحد من المسلمين ، مع شدة اهتمامهم به وبحفظه وقراءته وتعليمه وتعلّمه ، وتدريسه وتدرّسه ، واخذ فنون المعارف والاحكام والقصص والحكم وسائر الحقائق منه ؟ ! وهل يتوهم من له عقل سليم ، وطبع مستقيم ان يوكل النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم امر جمع القرآن إلى من بعده ، سيّما مع علمه بان الذي يتصدّى للجمع بعده هو الذي لا يكون متّصفا بوصف العصمة ، بل وأعظم من ذلك - ولا حظّ له من العلم والمعرفة بوجه - إذ لا محالة يكون جمعه ناقصا من جهة التحريف ، ومن جهة عدم