وما قاله الحارث المحاسبي « 1 » في محكى كتاب « فهم السنن » مما هذا لفظه :
« كتابة القرآن ليست بمحدثة فإنه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم كان يأمر بكتابته ، ولكنّه كان مفرّقا في الرقاع والأكتاف والعسيب وانّما امر الصديق بنسخها من مكان إلى مكان مجتمعا وكان ذلك بمنزلة أوراق وجدت في بيت رسول اللّه صلّى اللّه عليه وآله وسلّم فيها القرآن منتشرا فجمعها جامع وربطها بخيط حتى لا يضيع منها شيء » .
الجهة الثالثة : تعارضها مع الكتاب والعقل :
ان هذه الروايات التي استند إليها القائل بالتحريف مخالفة للكتاب والعقل :
امّا مخالفتها للكتاب : فلانه قد وقع في الكتاب العزيز تعبيرات لا تلائم الّا مع تحقق الجمع في زمن النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم وتميز السور بعضعها عن بعض ، وحصول التأليف والتركيب بين الآيات ، بل وبين السّور ، وذلك مثل التعبير ب « السّورة » في آيات متعدّدة كآيات التحدّى بالسورة ، أو بعشر سور ، فان هذا التعبير لا يلائم مع تفرق الآيات وتشتّتها ، وعدم تحقق التأليف والتركيب بينها ، ضرورة انّ السورة عبارة عن مجموعة آيات متعددة مركبة منضمّة متناسبة من حيث الغرض المقصود منها ، فالتعبير بها لا يناسب الّا مع التميز والاختصاص .
ومثل التعبير عن القرآن ب « الكتاب » كما في آيات كثيرة التي منها قوله تعالى في سورة البقرة :
« ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ هُدىً لِلْمُتَّقِينَ »
وفي سورة إبراهيم
« كِتابٌ أَنْزَلْناهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ »
وقد وقع هذا الاطلاق في لسان النبي صلّى اللّه عليه وآله وسلّم في مثل حديث الثقلين المعروف بين الفريقين ، فان لفظ « الكتاب » ظاهر في المكتوب الذي كان مجموعا مؤلّفا ، ولو نوقش في هذا الظهور بملاحظة أصل اللّغة فلا مجال للمناقشة بالنظر إلى العرف العام الذي القي عليهم مثل هذه التعبيرات ضرورة ان ظهوره في المجموع المؤلّف مما لا ينبغي الارتياب فيه بهذا النظر ، فتدبّر .
هامش
( 1 ) هو الحارث بن أسد المحاسبي ، ويكنى أبا عبد اللّه ، من أكابر الصوفية ، كان عالما بالأصول والمعاملات ، وهو أستاذ أكثر البغداديين في عصره ، توفى ببغداد سنة 243 ه .