تخطي إلى المحتوى الرئيسي

مدخل التفسير — صفحة 236

مساهمون:

ص٢٣٦
بعض تلك الروايات : « حتى أن لو كان من قبلكم دخل جحر ضب لدخلتموه ، وحتى أن لو جامع أحد امرأته في الطريق لفعلتموه » . فيردّه - مضافا إلى مخالفته لصريح القرآن الكريم - قال اللّه تعالى :
« وَما كانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ »
دلّ على عدم وقوع التعذيب ، مع كون النّبى في المسلمين ووجوده بينهم ، والضّرورة قاضية بوقوع التعذيب في بعض الأمم السّالفة مع كون نبيّهم فيهم - ان كثيرا من الوقائع التي حدثت في الأمم السابقة لم يصدر مثلها في هذه الامّة ، كعبادة العجل ، وتيه بني إسرائيل أربعين سنة ، وغرق فرعون وأصحابه ، وملك سليمان للانس والجنّ ، ورفع عيسى إلى السّماء ، وموت هارون - وهو وصىّ موسى - قبل موت موسى نفسه ، واتيان موسى بتسع آيات بيّنات ، وولادة عيسى من غير أب ، ومسخ كثير من السابقين قردة وخنازير ، وغير ذلك من الوقائع التي لم يصدر مثلها في هذه الأمة وبعضها غير قابل للصدور فيما بعد من الأزمنة أيضا ، كما هو واضح لا يخفى . ومما ذكرنا انه لو كان المراد ممن كان من قبلكم خصوص اليهود والنصارى أيضا - كما يؤيده بعض الروايات المتقدمة على تأمل - فالجواب أيضا باق على قوّته ، لان كثيرا من الموارد التي ذكرناها قد وقع في خصوص الامّتين اليهود والنصارى ، ولم يقع أو لن يقع فينا أصلا . وعلى ما ذكر : فلا بد من ارتكاب خلاف الظاهر فيها ، والحمل على إرادة المشابهة في بعض الوجوه ، وعلى ذلك فيكفي في وقوع التحريف في هذه الامّة عدم اتباعهم لحدود القرآن ، وعدم رعايتهم لاحكامه وحدوده ، وقوانينه وشرائعه ، وهذا أيضا نوع من التحريف كما أن الاختلاف والتفرق بين الامّة وانشعابها إلى مذاهب مختلفة ، وافتراقها إلى ثلاث وسبعين فرقة - كما افترقت النصارى إلى اثنين ، وسبعين ، واليهود إلى واحد وسبعين على ما هو مقتضى الروايات الكثيرة ، بل المتواترة الدالة على هذا المعنى - تحريف أيضا لأجل استناد كل منهم إلى القرآن