مثلا - الدال على وجوب صلاة الجمعة انّما يعتبر بالنسبة إلى من لا يكون عالما بعدم الوجوب ، وامّا بالإضافة إلى العالم فلا مجال لاعتباره بوجه ، فظاهر آية الحفظ - على تقدير حجيّته أيضا - انّما يجدى لمن لا يكون عالما بالتحريف ، والبحث في المقام انّما هو مع غير العالم .
وان كان القائل به لا يتجاوز عن مجرّد الاحتمال ، ولا يكون عالما بوقوع التحريف في الكتاب ، بل شاكّا ، فنقول مجرّد احتمال وقوع التحريف ، ولو في آية الحفظ أيضا لا يمنع عن الاستدلال بها ، لعدم التحريف ، كيف وكان الدليل على عدم حجيّة الظواهر والمانع عنها هو التحريف ، فمع عدم ثبوته واحتمال وجوده ، وعدمه كيف يرفع اليد عن الظاهر ، ويحكم بسقوطه عن الحجيّة ، بل اللّازم الاخذ به ، والحكم على طبق مقتضاه الذي عرفت ان مرجعه إلى عدم تحقق التحريف بوجه ، ولا يستلزم ذلك تحقق الدور الباطل ، ضرورة ان سقوط الظاهر عن الحجيّة فرع تحقق التحريف وثبوته ، وقد فرضنا ان الاستدلال انّما هو في مورد الشك وعدم العلم ، ومن الواضح ان الشك فيه لا يوجب سقوط الظاهر عن الحجية ، ما دام لم يثبت وقوعه ، فتدبر جيّدا .
وقد انقدح مما ذكرنا تمامية الاستدلال بآية الحفظ ، والجواب عن جميع الاشكالات ، سيّما الأخير الذي كان هو العمدة في الباب .
الدليل الثاني :
قوله تعالى في سورة فصّلت 41 ، 42 :
« وَإِنَّهُ لَكِتابٌ عَزِيزٌ لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ »
ولا خفاء في ظهوره في انه لا يأتي الكتاب العزيز الباطل - بجميع اقسامه - ومن شئ من الطّرق والجوانب ، ضرورة ان النفي إذا ورد على الطبيعة المعرفة بلام الجنس أفاد العموم ، بالإضافة إلى جميع أنواعها وأصنافها وافرادها ، فالباطل في ضمن اى نوع تحقّق ، واىّ صنف حصل ، واىّ فرد وجد : بعيد عن الكتاب بمراحل لا يمكن له اتيانه والاتصال