المضمن في شعر الشاعر الثاني على لطيفة لا توجد في شعر الشاعر الأول ( كالتورية ) وهو ان يذكر لفظ له معنيان قريب وبعيد ويراد البعيد ( والتشبيه في قوله ) اى قول صاحب التخيير
( إذا الوهم ابدى لي ) اى اظهر لي ( لماها ) اى سمرة اى سمرة شفتيها
( وثغرها * تذكرت ما بين العذيب وبارق * ويذكرني ) من الأذكار
( من قدها ومدامعى * مجر عوالينا ومجرى السوابق )
بنصب مجر على أنه مفعول يذكرني وفاعله ضمير يعود إلى الوهم وقوله
تذكرت ما بين العذيب وبارق * ومجر عوالينا ومجرى السوابق
مطلع قصيدة لأبي الطيب والعذيب وبارق موضعان معروفان وما بين ظرف للتذكر أو للمجر والمجرى وقد عرفت جواز تقديم الظرف على المصدر ويجوز ان يكون ما بين العذيب مفعول تذكرت ومجر عوالينا بدلا منه والمعنى انهم كانوا نزولا بين هذين الموضعين وكانوا يجرون الرماح عند مطاردة الفرسان ويسابقون على الخيل فهذا الشاعر أراد في تضمينه بالعذيب وبارق معنييهما البعيدين لأنه جعل العذيب تصغير العذب وعنى به شفة الحبيبة وببارق ثغرها الشبيه بالبرق وبما بينهما بريقها وشبه تبختر قدها بتمايل الرمح وجريان دمعه على التتابع بجريان الخيل السوابق فزاد على أبى الطيب بهذه التورية والتشبيه ( ولا يضر ) في التضمين ( التغيير اليسير ) لما قصد تضمينه ليدخل في معنى الكلام كقول بعضهم في يهودي به داء الثعلب
أقول لمعشر غلطوا وغضوا * من الشيخ الرشيد وأنكروه
هو ابن جلا وطلاع الثنايا * متى يضع الإمامة تعرفوه
فالبيت لسحيم بن وثيل وأصله
انا ابن جلا وطلاع الثنايا * متى أضع العمامة تعرفوني
فغيره إلى طريق الغيبة ليدخل في المقصود وقوله غلطوا وغضوا اى وقعوا في الغلط في حقه وحطوا من رتبته ولم يعرفوا مقداره وفيه تهكم ولهذا وصفه بالرشيد وأراد به الغوى على طريق التهكم ( وربما سمى تضمين البيت فما زاد عليه ) اى على البيت ( استعانة وتضمين المصراع فما دونه ايداعا ) لان الشاعر الثاني قد أودع شعره شيأ من شعر الأول وهو بالنسبة إلى شعره قليل مغلوب ( ورفوا ) لأنه رفا خرق شعره بشعر الغير ( واما العقد فهو ان ينظم نثر ) قرآنا كان أو حديثا أو مثلا أو غير ذلك ( لا على طريق الاقتباس ) وقد عرفت ان طريق الاقتباس هو ان يضمن الكلام شيأ من القرآن أو الحديث لا على أنه منه فالنثر الذي قد قصد نظمه ان كان غير القرآن والحديث فنظمه عقد على أي طريق كان إذ لا دخل فيه للاقتباس ( كقوله ) اى قول أبى العتاهية