الآيتين مثالين للتورية على ما اشتهر بين أهل الظاهر من المفسرين ( ومنه ) اى من المعنوي ( الاستخدام وهو ان يراد بلفظ له معنيان أحدهما ) اى أحد المعنيين ( ثم ) يراد ( بضميره ) اى بالضمير الراجع إلى ذلك اللفظ معناه ( الآخر أو يراد بأحد ضميريه ) اى ضميري ذلك اللفظ ( أحدهما ) اى أحد المعنيين ( ثم ) يراد ( بالآخر ) اى بالضمير الآخر معناه ( الآخر فالأول كقوله
إذا نزل السماء بأرض قوم * رعيناه وان كانوا غضابا )
أراد بالسماء الغيث وبالضمير الراجع اليه من رعيناه النبت ( والثاني كقوله ) اى قول البحتري
( فسقى الغضا والساكنيه وان هم * شبوه بين جوانحي وضلوعى )
أراد بأحد الضميرين الراجع إلى الغضا وهو المجرور في الساكنيه المكان وبالآخر وهو المنصوب في شبوه النار اى أو قدوا بين جوانحي نار الغضا يعنى نار الهوى التي تشبه نار الغضا ( ومنه ) اى من المعنوي ( اللف والنشر وهو ذكر متعدد على التفصيل أو الاجمال ثم ) ذكر ما ( لكل ) من آحاد هذا المتعدد ( من غير تعيين ثقة بان السامع يرده اليه ) اى يرد ما لكل من آحاد هذا المتعدد إلى ما هو له ( فالأول ) وهو ان يكون ذكر المتعدد على سبيل التفصيل ( ضربان لان النشر اما على الترتيب اللف ) بان يكون الأول من النشر للأول من اللف والثاني للثاني وهكذا على الترتيب ( نحو
وَمِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَلِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ )
ذكر الليل والنهار على التفصيل ثم ذكر ما لليل وهو السكون فيه وما للنهار وهو الابتغاء من فضل اللّه على الترتيب ( واما على غير ترتيبه ) اى ترتيب اللف وهو ضربان لأنه اما ان يكون الأول من النشر للآخر من اللف والثاني لما قبله وهكذا على الترتيب ولتسم معكوس الترتيب ( كقوله ) اى قول ابن حيوش
( كيف اسلو وأنت حقف وغصن * وغزال لحظا وقدا وردفا )
فاللحظ للغزال والقد للغصن والردف للحقف وهو النقاء من الرمل شبه به الكفل في العظم والاستدارة أو لا يكون كذلك ولتسم مختلط الترتيب كقوله هو شمس وأسد وبحر جود أو بهاء وشجاعة ( والثاني ) وهو ان يكون ذكر المتعدد على سبيل الاجمال ( نحو
قالُوا لَنْ يَدْخُلَ الْجَنَّةَ إِلَّا مَنْ كانَ هُوداً أَوْ نَصارى
) فان الضمير في قالوا لليهود والنصارى فذكر الفريقان على طريق الاجمال دون التفصيل ثم ذكر كل منهما فالمتعدد المذكور اجمالا هو الفريقان ولك ان تجعله قول الفريقين فإنه قد لف بين القولين في قالوا اى قالت اليهود وقالت النصارى وهذا معنى قوله في الايضاح فلف بين القولين فان مالف بينهما في هذا الباب هو المتعدد المذكور أولا على ما صرح به