( بيان امكانه ) يعنى بيان ان المشبه امر ممكن الوجود وذلك في كل امر غريب يمكن ان يخالف فيه ويدعى امتناعه ( كما في قوله ) اى قول أبى الطيب
( فان تفق الأنام وأنت منهم * فان المسك بعض دم الغزال )
فإنه أراد ان يقول إن الممدوح به قد فاق الناس بحيث لم يبق بينه وبينهم مشابهة بل صار أصلا برأسه وجنسا بنفسه وهذا في الظاهر كالممتنع لاستبعاد ان يتناهى بعض آحاد النوع في الفضائل الخاصة بذلك النوع إلى أن يصير كأنه ليس منها فاحتج لهذه الدعوى وبين امكانها بان شبه حاله بحال المسك الذي هو من الدماء ثم إنه لا يعد من الدماء لما فيه من الأوصاف الشريفة التي لا نوجد في الدم * فان قلت اين التشبيه في هذا البيت * قلت يدل البيت عليه ضمنا وان لم يدل عليه صريحا لان المعنى ان تفق الأنام مع أنك واحد منهم فلا استبعاد في ذلك لان المسك بعض دم الغزال وقد فاقها حتى لا يعد منها فحالك شبيهة بحال المسك وليسم مثل هذا تشبيها ضمنيا أو تشبيها مكنيا عنه ( أو حاله ) عطف على امكانه اى بيان حال المشبه بأنه على أي وصف من الأوصاف ( كما في تشبيه ثوب بآخر في السواد ) إذا علم لون المشبه به دون المشبه والا لم يكن لبيان الحال لأنها مبينة ( أو مقدارها ) اى بيان مقدار حال المشبه في القوة والضعف والزيادة والنقصان ( كما في تشبيهه ) اى تشبيه الثوب الأسود ( بالغراب في شدته ) اى في شدة السود ( أو تقريرها ) مرفوع معطوف على بيان امكانه اى تقرير حال المشبه في نفس السامع وتقوية شأنه ( كما في تشبيه من لا يحصل من سعيه على طائل بمن يرقم على الماء ) فإنك تجد فيه من تقرير عدم الفائدة وتقوية شأنه ما لا تجده في غيره لان الفكر بالحسيات أتم منه بالعقليات لتقدم الحسيات وفرط الف النفس بها ألا ترى انك إذا أردت وصف يوم بالطول فقلت يوم كأطول ما يتوهم أو كأنه لا آخر له فلا يجد السامع من الانس ما يجده في قوله
ويوم كظل الرمح قصر طوله * دم الزق عنا واصطكاك المزامر
وكذا إذا قلت في وصفه بالقصر يوم كأقصر ما يتصور وكلمح البصر وكأنه ساعة لا تجد فيه ما تجد في قولهم أيام كاباهيم القطا وقول الشاعر
ظللنا عند باب أبى نعيم * بيوم مثل سالفة الذباب
وكذا إذا قلت فلان إذا هم بشئ لم يزل ذلك عن ذكره وقصر خواطره على امضاء عزمه فيه ولم يشغله عنه شئ فالسامع لا يصادف فيه من الاريحية ما يصادفه من انشاد قوله
إذا هم القى بين عينيه عزمه * ونكب عن ذكر العواقب جانبا