فان عطف الشرطية على غيرها وبالعكس كثير في الكلام مثل قوله تعالى
( وَقالُوا لَوْ لا أُنْزِلَ عَلَيْهِ مَلَكٌ وَلَوْ أَنْزَلْنا مَلَكاً لَقُضِيَ الْأَمْرُ )
وقوله
( فَإِذا جاءَ أَجَلُهُمْ لا يَسْتَأْخِرُونَ ساعَةً وَلا يَسْتَقْدِمُونَ ) *
وكذا الثاني لظهور المناسبة بين المسندين اعني استهزاء اللّه تعالى بهم وتقاولهم بهذه المقالات أوقات الخلوات بل لاتحادهما في التحقيق وكذا بين المسند اليهما لكونهما متقابلين يستهزئ كل واحد منهما بالآخر بدليل انه علل قطع
( اللَّهُ يَسْتَهْزِئُ بِهِمْ )
عن جملة
( قالُوا ) *
وجملة
( إِنَّا مَعَكُمْ ) *
بما مر لا بعدم الجامع بينهما فليفهم ( واما كونها ) اى كون الثانية ( كالمتصلة بها ) اى بالأولى ( فلكونها ) اى الثانية ( جوابا لسؤال اقتضته الأولى فتنزل ) الأولى ( منزلته ) اى منزلة السؤال لكونها مشتملة عليه ومقتضية له ( فتفصل ) الثانية ( عنها ) اى عن الأولى ( كما يفصل الجواب عن السؤال ) لما بينهما من الاتصال وقال ( السكاكى ) النوع الثاني من الحالة المقتضية للقطع ان يكون الكلام السابق بفحواه كالمورد للسؤال ( فينزل ) ذلك السؤال المدلول عليه بالفحوى ( منزلة الواقع ) ويطلب بالكلام الثاني وقوعه جوابا له فيقطع عن الكلام السابق لذلك وتنزيل السؤال بالفحوى منزلة الواقع لا يصار اليه الا ( لنكتة كاغناء السامع ان يسأل أو ان لا يسمع منه ) عطف على اغناء اى مثل ان لا يسمع من السامع ( شئ ) تحقيرا له وكراهية لسماع كلامه أو مثل ان لا ينقطع كلامك بكلامه أو مثل القصد إلى تكثير المعنى بتقليل اللفظ وهو بتقدير السؤال وترك العاطف أو غير ذلك فليس في كلام السكاكى دلالة على أن الجملة الأولى تنزل منزلة السؤال كما في كلام المصنف فكأن المصنف نظر إلى أن قطع الثانية عن الأولى مثل قطع الجواب عن السؤال لكونها كالمتصلة بها انما يكون على تقدير تشبيه الأولى بالسؤال وتنزيلها منزلته ولا حاجة إلى ذلك لان كون الجملة الأولى منشأ السؤال كاف في كون الثانية التي هي الجواب كالمتصلة بها على ما أشار اليه صاحب الكشاف حيث قال وانما قطع قصة الكفار يعنى قوله تعالى
( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا سَواءٌ عَلَيْهِمْ )
الآية عما قبلها لان ما قبلها مسوق لذكر الكتاب وانه هدى للمتقين والثانية مسوقة لبيان ان الكفار من صفتهم كيت وكيت فبين الجملتين تباين في الغرض والأسلوب وهما على حد لا مجال فيه للعاطف بخلاف قوله تعالى
( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ )
ثم قال فان قلت هذا إذا زعمت أن الذين يؤمنون جار على المتقين فاما إذا ابتدأته وبنيت الكلام بصفة المؤمنين ثم عقبته بكلام آخر في صفة اضدادهم