تخطي إلى المحتوى الرئيسي

كتاب المطول — صفحة 259

مساهمون:

ص٢٥٩
كان مثل قوله تعالى
( إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ ) *
قلت قد مر إلى أن الكلام المبتدأ عقيب المتقين سبيله الاستيناف وانه مبنى على تقدير السؤال وذلك ادراج له في حكم المتقين وتابع له في المعنى وان كان مبتدأ في اللفظ فهو في الحقيقة كالجاري عليه ( ويسمى الفصل لذلك ) اى لكون الثانية جوابا لسؤال اقتضته الأولى ( استينافا وكذا الجملة الثانية ) نفسها تسمى استينافا كما تسمى مستأنفة ( وهو ) اى الاستيناف ( ثلاثة اضرب لان السؤال ) الذي تضمنته الجملة الأولى ( اما عن سبب الحكم مطلقا نحو
قال لي كيف أنت قلت عليل * سهر دائم وحزن طويل
اى ما بالك عليلا أو ما سبب علتك ) وذلك لان العادة انه إذا قيل فلان عليل ان يسأل عن سبب علته وموجب مرضه لا ان يقال هل سبب علته كذا وكذا لا سيما السهر والحزن فإنه قل ما يقال هل سبب مرضه السهر والحزن لأنهما من ابعد أسباب المرض فعلم أن السؤال عن السبب المطلق دون سبب الخاص وعدم التأكيد أيضا مشعر بذلك ( واما عن سبب خاص ) لهذا الحكم ( نحو وما ابرئ نفسي ان النفس لامارة بالسوء كأنه قيل هل النفس امارة بالسوء ) فقيل نعم ان النفس لامارة بالسوء فالتأكيد دليل على أن السؤال عن السبب الخاص فان الجواب عن مطلق السبب لا يؤكد ( وهذا الضرب يقتضى تأكيد الحكم كما مر ) في أحوال الاسناد الخبرى وانه من أن المخاطب ان كان مترددا في الحكم طالبا له حسن تقويته بمؤكد فعلم أن المراد بالاقتضاء ههنا الاقتضاء على سبيل الاستحسان لا على سبيل الوجوب فإذا قلت اعبد ربك ان العبادة حق له فهو جواب للسؤال عن السبب الخاص اى هل العبادة حق له وإذا قلت فالعبادة حق له فهو بيان ظاهر لمطلق السبب ووصل ظاهر بحرف موضوع للوصل وإذا قلت العبادة حق له فهو وصل خفى تقديرى الاستيناف جواب للسؤال عن مطلق السبب اى لم تأمرنا بالعبادة له وهذا أبلغ الوصلين وأقواهما فيتفاوت هذه الثلاثة بحسب تفاوت المقامات ( واما عن غيرهما ) اى غير السبب المطلق والسبب الخاص ( نحو قالوا سلاما قال سلام اى فما ذا قال ) إبراهيم عليه السّلام في جواب سلامهم فقيل قال سلام اى حياهم بتحية أحسن من تحيتهم لان تحيتهم كانت بالجملة الفعلية الدالة على الحدوث اى نسلم سلاما وتحيته بالاسمية الدالة على الدوام والثبوت اى سلام عليكم ( وقوله
زعم العواذل انني في غمرة )
* العواذل جمع عاذلة بمعنى جماعة عاذلة لا امرأة عاذلة بدليل قوله ( صدقوا ) ولما كان هذا مظنة ان يتوهم ان غمرته