مثلا فالاستفها عنه يكون طلبا للحاصل فيتولد منه بقرينة الحال عرض النزول على المخاطب وطلبه منه وهذه في التحقيق همزة انكار اى لا ينبغي لك ان لا تنزل وانكار النفي اثبات فلهذا صح تقدير الشرط المثبت بعده نحو ان تنزل فان الشرط المقدر بعد هذه الأشياء يجب ان يكون من جنسها فلا يصح تقدير المنفى بعد المثبت وبالعكس مثلا لا يجوز لا تكفر تدخل النار أو اسلم تدخل النار يعنى ان تكفر أو ان لا تسلم تدخل النار خلافا للكسائى فإنه يجوزه تعويلا على القرينة ( ويجوز ) تقدير الشرط ( في غيرها ) اى في غير هذه المواضع ( لقرينة نحو ) أم اتخذوا من دونه أولياء ( فاللّه هو الولي اى ان أرادوا وليا يحق ) فإنه هو الذي يجب ان يتولى وحده ويعتقد انه هو المولى والسيد لان قوله أم اتخذوا انكار لكل ولى سواه * فان قلت لا شك انه انكار توبيخ بمعنى لا ينبغي ان يتخذ من دون اللّه أولياء وحينئذ يترتب عليه قوله فاللّه هو الولي من غير تقدير شرط كما يقال لا ينبغي ان تعبد غير اللّه فاللّه هو المستحق للعبادة * قلت ليس كل ما فيه معنى الشئ حكمه حكم ذلك الشئ ولا يخفى على ذي طبع حسن قولنا لا تضرب زيدا فهو أخوك بالفاء بخلاف أتضرب زيدا فهو أخوك استفهام انكار فإنه لا يحسن الا بالواو الحالية وذلك لأنهم وان جعلوا استفهام الانكار بمعنى النفي لم يقصدوا ان لا فرق بينهما أصلا لان كل سليم الذوق يجد من نفسه التفاوت وانه يصح وقوع أحدهما حيث لا يصح وقوع الآخر وحذف الشرط في الكلام كثير وسيتعرض له في بحث الايجاز ان شاء اللّه تعالى
[ ومنها النداء ]
( ومنها ) اى ومن أنواع الطلب ( النداء ) وهو طلب الاقبال بحرف نائب مناب ادعو لفظا أو تقديرا كايا وهيا للبعيد وقد ينزل غير البعيد منزلة البعيد لكونه نائما أو ساهيا حقيقة أو بالنسبة إلى الامر الذي تناديه له يعنى انه بلغ من علو الشان إلى حيث إن المخاطب لا يفي بما هو حقه من السعي فيه وان بذل وسعه واستفرغ جهده فكأنه غافل عنه بعيد وأي والهمزة للقريب وقد يستعملان في البعيد تنبيها على أنه حاضر في القلب ولا يغيب عنه أصلا كقوله
أسكان نعمان الأراك تيقنوا * بأنكم في ربع قلبي سكان
واما يا فقيل حقيقة في القريب والبعيد لأنها لطلب الاقبال مطلقا وقيل بل للبعيد واستعمالها في القريب اما لاستقصار الداعي نفسه واستبعاده عن مرتبة المدعو نحو يا اللّه واما للتنبيه على عظم الامر وعلو شأنه وان المخاطب مع تهالكه على الامتثال كأنه غافل عنه بعيد نحو
( يا أَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ ما أُنْزِلَ إِلَيْكَ )
واما للحرص على اقباله كأنه امر بعيد نحو يا موسى اقبل واما للتنبيه على بلادته