( ولو شئت ان ابكى دما لبكيته ) * عليه ولكن ساحة الصبر أوسع
وأعددته ذخرا لكل ملمة * وسهم المنايا بالذخائر مولع
فان تعلق فعل المشية ببكاء الدم فعل غريب فلا بد من ذكر المفعول ليتقرر في نفس السامع ويأنس السامع به ( واما قوله ) اى قول أبى الحسن علي بن أحمد الجوهري
( ولم يبق منى الشوق غير تفكرى * فلو شئت ان ابكى بكيت تفكرا
فليس منه ) اى مما ترك فيه حذف مفعول المشية بناء على غرابة تعلقها به على ما سبق إلى الوهم وذهب اليه صاحب الضرام من أن المراد ولو شئت ان ابكى تفكرا بكيت تفكرا فلم يحذف منه مفعول المشية ولم يقل لو شئت بكيت تفكرا لان تعلق فعل المشية ببكاء التفكر غريب كتعلقها ببكاء الدم فرفع هذا الوهم وصرح بأنه ليس من هذا القبيل ( لان المراد بالأول البكاء الحقيقي ) لا البكاء التفكرى لأنه لم يرد ان يقول لو شئت ان ابكى تفكرا بكيت تفكرا بل أراد ان يقول افنانى النحول فلم يبق منى غير خواطر تجول في حتى لو شئت البكاء فمريت جفونى وعصرت عيني ليسيل منها دمع لم أجده وخرج منها بدل الدمع التفكر فالبكاء الذي أراد ايقاع المشية عليه بكاء مطلق مبهم غير معدى إلى التفكر البتة والبكاء الثاني مقيد معدى إلى التفكر فلا يصلح تفسيرا للأول وبيانا لان المبين لا بد وان يكون عين المبين له كما إذا قلت لو شئت ان تعطى درهما أعطيت درهمين كذا في دلائل الاعجاز * ومما نشأ من سوء التأمل وقلة التدبر في هذا المقام ما قيل إن الكلام في مفعول ابكى والمراد ان البيت ليس من قبيل ما حذف فيه المفعول للبيان بعد الابهام بل لغرض آخر * لا يقال يحتمل ان يريد انى ضعفت ونحلت بحيث لم يبق في مادة الدمع فصرت بحيث أقدر على بكاء التفكر * والمعنى لو شئت ان ابكى تفكرا بكيت تفكرا على أنه من باب التنازع مثل ضربت وأكرمت زيدا فيكون من قبيل لو شئت ان ابكى دما لبكيته * لأنا نقول ترتب هذا الكلام على قوله فلم يبق منى الشوق غير تفكرى يدل على فساد هذا الاحتمال لان بكاء التفكر ليس سوى الأسف والكمد والقدرة عليه لا يتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكر بخلاف عدم القدرة على البكاء الحقيقي بحيث يحصل منه بدل الدم التفكر فإنه مما يتوقف على أن لا يبقى فيه غير التفكر فحينئذ يحسن ترتب النظم فليتأمل * ومما يحذف فيه المفعول بالواسطة للبيان بعد الابهام قولك امرته فقام اى امرته بالقيام فقام قال اللّه تعالى
( أَمَرْنا مُتْرَفِيها فَفَسَقُوا فِيها )
اى امرناهم بالفسق وهو مجاز عن تمكينهم واقدارهم ( واما ) عطف على قوله اما للبيان ( لدفع توهم إرادة غير المراد ابتداء ) متعلق بقوله توهم ( كقوله ) اى البحتري