ما ثبت من الأحكام للطهارة في مثل لا صلاة إلا بطهور وغيرها ثابت للمتطهر بالاستصحاب أو بالبينة والثاني مثل الأمثلة المذكورة .
وأما المتعارضان فليس في أحدهما دلالة لفظية على حال الآخر من حيث العموم والخصوص وإنما يفيد حكما منافيا لحكم الآخر وبملاحظة تنافيهما وعدم جواز تحققهما واقعا يحكم بإرادة خلاف الظاهر في أحدهما المعين إن كان الآخر أقوى منه فهذا الآخر الأقوى قرينة عقلية على المراد من الآخر وليس في مدلوله اللفظي تعرض لبيان المراد منه ومن هنا وجب ملاحظة الترجيح في القرينة لأن قرينيته بحكم العقل بضميمة المرجح .
أما إذا كان الدليل بمدلوله اللفظي كاشفا عن حال الآخر فلا يحتاج إلى ملاحظة مرجح له بل هو متعين للقرينة بمدلوله له وسيأتي لذلك توضيح في تعارض الاستصحابين إن شاء الله تعالى .
ثم إنه يظهر مما ذكرنا من حكومة الرواية وورودها في مقام الامتنان نظير أدلة نفي الحرج والإكراه أن مصلحة الحكم الضرري المجعول بالأدلة العامة لا تصلح أن تكون تداركا للضرر حتى يقال إن الضرر يتدارك بالمصلحة العائدة إلى المتضرر وإن الضرر المقابل بمنفعة راجحة عليه ليس بمنفي بل ليس ضررا .
توضيح الفساد أن هذه القاعدة تدل على عدم جعل الأحكام الضررية واختصاص أدلة الأحكام بغير موارد الضرر نعم لولا الحكومة ومقام الامتنان كان للتوهم المذكور مجال .
وقد يدفع بأن العمومات الجاعلة للأحكام إنما تكشف عن المصلحة في نفس الحكم ولو في غير مورد الضرر وهذه المصلحة لا يتدارك بها الضرر الموجود في مورده فإن الأمر بالحج والصلاة مثلا يدل على عوض ولو مع عدم الضرر ففي مورد الضرر لا علم بوجود ما يقابل الضرر .
وهذا الدفع أشنع من أصل التوهم لأنه إن سلم عموم الأمر بصورة الضرر كشف عن وجود مصلحة يتدارك بها الضرر في هذا المورد مع أنه يكفي حينئذ في تدارك الضرر الأجر المستفاد من ( قوله صلى اللَّه عليه وآله : أفضل الأعمال أحمزها ) وما اشتهر في الألسن وارتكز في العقول من أن الأجر على قدر المشقة فالتحقيق في دفع الوهم المذكور ما ذكرناه من الحكومة والورود في مقام الامتنان .
فرائد الاُصول ( طبع انتشارات اسلامي ) — صفحة 536
مساهمون: الشيخ الأنصاري
ص٥٣٦