أصل الحركة ، وقوّة الوصول إلى ما إليه الحركة ، فالحركة كمال أوّل [ 20 ] ، والوصول كمال ثان . ثم إن الكمال الأوّل [ 21 ] والثاني يستعمل في موردين :
أحدهما : أن يكون ما به يخرج الشيء من القوة إلى الفعل لا يتمّ دفعة بل يكون حالة انتظارية ، فيسمّى ما به يخرج قبل تمامه كمالا أوّلا ، وكماله الذي يتوّخاه ويقصده كمالا ثانيا .
شرح
[ 20 ] فإن الجسم إذا كان في مكان مثلا وهو ممكن الحصول في مكان آخر كان له إمكانان : إمكان الحصول في ذلك المكان ، وإمم التوجّه إليه ، وهما كمالان ومعلوم أن التوجّه مقدم على الوصول فهو كمال أول والوصول كمال ثان ، واحترز بقيد الأولية عن الوصول . ( ح . ح )
[ 21 ] ناظر إلى الفصل العاشر من المسلك الثالث من الأسفار ( ط 1 ، من الرحلي - ج 1 - ص 214 ) ، وما في الموضوع المذكور من الأسفار أيضا خلاصة ما أفاده الشيخ الرئيس في الفصل الأول من المقالة الثانية من الفن الأول من طبيعيات الشفاء ( ط 1 ، من الرحلي - ج 1 - ص 35 ) ، فقال في الأسفار :
« قال القدماء : الحركة ممكن الحصول ، وكل ما يمكن حصوله للشيء فإن حصوله كمال لذلك الشيء فإذن الحركة كمال لما يتحرك . ولكنّها تفارق سائر الكمالات من حيث إنه لا حقيقة لها إلا التعدّي إلى الغير والسلوك إليه ، فما كان كذلك فله لا محالة خاصيتان : إحداهما أنه لا بدّ هناك من مطلوب ممكن الحصول ليكون التوجّه توجّها إليه ، الثانية أن ذلك التوجّه ما دام كذلك فإنّه بقي منه شيء بالقوة فإن المتحرك أنما يكون متحركا بالفعل إذا لم يصل إلى المقصود ، فما دام كذلك فقد بقي منه شيء بالقوة فإذا هوية الحركة متعلقة بأن يبقى منها شيء بالقوة ، وبأن لا يكون الذي هو المقصود من الحركة حاصلا بالفعل .
وأما سائر الكمالات فلا توجد في شيء منها واحدة من هاتين الخاصيتين فإن الشيء إذا كان مربعا بالقوة ثم صار مربعا بالفعل فحصول المربعية من حيث هي هي لا يوجب أن يقتضي ويستعقب شيئا ، وأيضا فعند حصوله لا يبقى منه شيء بالقوة .
فإذا عرفت هذا فنقول : الجسم إذا كان في مكان وهو ممكن الحصول في مكان آخر ففيه إمكانان :
أحدهما إمكان الحصول في ذلك المكان ، والثاني إمكان التوجه إليه ، وكل ما يكون ممكن الحصول فإن حصوله يكون كمالا له فإذا التوجه إلى ذلك المطلوب كمال ، لكن التوجه إلى المطلوب متقدم لا محالة على حصول المطلوب وإلا لم يكن الوصول إليه على التدريج وكلامنا فيه . فإذا التوجه كمال أول للشيء الذي بالقوة ، لكن لا من كل وجه فإن الحركة لا تكون كمالا في جسميته ، وإنما هي كمال له من الجهة التي هو باعتبارها كان بالقوة ، فإذا الحركة كمال أول لما بالقوة من جهة ما هو بالقوة » ، وهذا الرسم للفيلسوف الأعظم أرسطاطاليس » . ( ح . ح )