تامّة . ومثل الرّحى الفرجار ذو الشعب الثلاث إذا أثبتت شعبة منها وأديرت الشعبتان الأخريان ، فيلزم ما لزم هناك ومعلوم أن الشعبتين الراسمتين للدائرتين متلازمتان لا انفكاك وتناثر بينهما .
ثم إنّ الخصم التزموا تفكّكه ، وقالوا : الفاعل المختار يلصق بعضها ببعض ولا يشعر الحسّ بذلك للطافة الأزمنة التي يقع فيها التفكيك وهو باطل ، لأنه إذا كان فضل مسافة الدائرة العظيمة وحركتها على الصغيرة على نسبة عظيمة كنسبة الألف إلى الواحد مثلا لزم أن تسكن الصغيرة إلى أن تقطع العظيمة تسعمائة وتسعة وتسعين جزء ويحصل الانفكاك في هذا القدر من الزمان واللصوق في زمان يقطع جزء ، فزمان اللصوق ألطف بكثير من زمان الانفكاك . ونفي الدائرة [ 11 ] وبيانه أنه
شرح
الأجزاء تستلزم وحدته الاتصالية جدّا يوجب تعلق النفس التي تحت تدبير المتفرد بالجبروت إتقان صنعه مدهش الألباب ، قوله سبحانه :« صُنْعَ اللَّهِ الَّذِي أَتْقَنَ كُلَّ شَيْءٍ »( القرآن الكريم - سورة النمل - الآية 89 ) فأنّى لتوهم شبهة الاستلزام المذكور وأمثالها والتفوّه بها ( ح . ح )
[ 11 ] ناظر إلى عبارات صدر المتألهين في الجواهر والأعراض من الأسفار ( ط 1 من الرحلي - ج 2 - ص 104 ) ، وإلى شرحه على الهداية الأثيرية ( ط 1 - ص 15 ) . ثم إن الدائرة سطح مستو أحاط به خط مستدير توجد في داخله نقطة تكون الخطوط الخارجة من تلك النقطة إلى ذلك الخط المستدير متساوية ، وتلك النقطة مركز الدائرة ، وتلك الخطوط أنصاف أقطار الدائرة ، والخط المستدير محيط الدائرة . وهذا الخط المحيط المستدير يسمّى أيضا بالدائرة مجازا .
ومعنى قوله : ونفي الدائرة ، أنه لا سبيل إلى إثبات الدائرة على القول بالجزء . فاعلم أن القائلين بالجزء قد التزموا انتفاء الدائرة وقالوا إن البصر يخطئ في أمر الدائرة فإنّ الدائرة المحسوسة شكل مضرّس وليست بدائرة حقيقة . والقائلون بعدم الجزء ألزموا عليهم تارة الاعتراف بوجود الدائرة ، فإذا ثبت وجود الدائرة بطل القول بالجزء الذي لا يتجزّى ، وتارة اعترضوا عليهم بأن القول بالجزء يوجب نفي الدائرة أي يوجب الالتزام بانتفاء الدائرة والحال أن الدائرة موجودة حقيقة ، وهذا الوجه هو مراد المصنف من قوله : « ونفي الدائرة » دون الأول .
وكذلك اعترضوا عليهم بأن القول بالجزء كما يلزم منه انتفاء الدائرة كذلك يلزم منه انتفاء الكرة أيضا .
ولبيان ما أشرنا إليه نكتفي بما حرّره التفتازاني في شرح المقاصد ( ط تركيا - ص 302 ) حيث قال :
« إن كلا من الدائرة والكرة ممكن بل متحقق : أما الدائرة فلأنا نتخيل على السطح المستوي خطا مستقيما متناهيا نثبت أحد طرفيه ونديره حول طرفه الثابت إلى أن يعود إلى موضعه الأول فيحصل