فأولوا المثل بالصور المرتسمة « 3 » في ذات باريها فإن أفلاطون وسقراط « 4 » « 5 » وغيرهما قالوا لكل نوع فرد مجرد غير داثر والصورة العلمية الإلهية من كل نوع مجردة لا تتغير « 6 » .
شرح
- قائمة بذات اللّه بوجوداتها في الوجود الأحدى الصمدي ، فضلا عن التمثالات الذهنية . ثم إن القائلين بالمثل الإلهية قائلون بعالم المثال المنفصل وصورها الشبحية أي بالمثل المعلقة أيضا . ثم بناء على تأويل المثل بمثول أعيان الخارجة المادية لديه تعالى شأنه فأين أرباب الأنواع وافراد كل نوع مربوبون ؟ ولنرجع إلى بيان عبارات الكتاب . ( ح . ح )
( 3 ) . عبارة الفارابي عارية عن الصور المرتسمة أو العلم الحصولي أو ما يفيد معناهما ، وكأن المصنف ناظر إلى الشواهد الربوبية حيث قال صدر المتألهين : « ذكر المعلم الثاني أبو نصر الفارابي في مقالته المسماة بالجمع بين الرائين : أن مراده من المثل هو الصور العلمية القائمة بذاته تعالى علما حصوليا لأنها باقية غير دائرة ولا متغيرة وإن تغيرت وزالت الأشخاص الزمانية والمكانية . . . » ( ص 108 - ط 1 من الحجري ) .
فدونك عبارة الفارابي بألفاظه في البحث عن المثل في الجمع بين الرائين : « وقد نجد أن أرسطو في كتابه في الربوبية المعروفة باثولوجيا يثبت الصور الروحانية ويصرّح بأنها موجودة في عالم الربوبية - إلى أن قال : لما كان اللّه تعالى حيا مريدا لهذا العالم بجميع ما فيه فوجب أن يكون عنده صور ما يريد ايجاده في ذاته جلّ اللّه عن الاشتباه أيضا فان ذاته لما كانت باقية لا يجوز عليه التبدل والتغير فما هو في حيّزه أيضا كذلك باق غير دائر ولا يتغير ، ولو لم يكن للموجودات صور وآثار في ذات الموجد أعني المريد فما الذي كان يوجده ؟ وعلى أي مثال ينحو بما يفعله ويبدعه ؟ أما علمت أن من نفى هذا المعنى عن الفاعل الحيّ المريد لزمه القول بأن ما يوجد انما يوجده جزافا وتبخّتا وعلى غير قصد ، ولا ينحو نحو غرض مقصود بإرادته ، وهذا من أشنع الشناعات فعلى هذا المعنى ينبغي أن يعرف ويتصور أقاويل أولئك الحكماء في ما اثبتوه من الصور الإلهية لا على أنها أشباح قائمة في أماكن أخر خارجة عن هذا العالم فإنها متى تصوّرت على هذا السبيل يلزم القول بوجود عوالم غير متناهية كلها كأمثال هذا العالم . . . » ( جمع بين الرائين ط 1 من الحجري - ص 67 و 69 ) .
وهذا كما تراه ليس فيه ايماء إلى الصور المرتسمة والعلم الحصولي ، وانما حداهم على كون الصور العلمية في عبارة الفارابي صورا مرتسمة ما بيّناه في رسالة المثل ، يوجب الاقتحام فيه إطالة الكلام والخروج عن سوق التعليقة فليراجع الطالب إليها . ( ح . ح )
( 4 و 5 ) . الجمع بين رأيي الحكيمين ، ص 105 . ( م . ط )
( 6 ) . وما قالوا : إنّ ذلك المجرّد مثال نوريّ لهذه الأفراد الطّبيعيّة فهو كذلك لأنّ الصّورة العلميّة ما هي عليه -