تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المنظومة — صفحة 86

مساهمون:

ص٨٦
شرح
- إلى القوة القدسية الغنيّة عن الفكر . والشيخ في الفصل الثاني عشر من النمط الثالث من الإشارات في اثبات القوة القدسية ابتدأ بالغبى وانتهى إلى الغنى عن التعلم بقوله : الست تعلم أن للحدس وجودا وان للانسان فيه مراتب وفي الفكر ، فمنهم غبّي لا يعود عليه الفكر برادّة ، ومنهم من له فطانة إلى حدّما ويستمتع بالفكر ، ومنهم من هو اثقف من ذلك وله إصابة في المعقولات بالحدس ، وتلك الثقافة غير متشابهة في الجميع بل ربما قلّت وربما كثرت ؟ وكما انك تجد جانب النقصان منتهيا إلى عديم الحدس فأيقن أن الجانب الذي يلي الزيادة يمكن انتهاؤه إلى غنيّ في أكثر أحواله عن التعلّم والفكر . تبصرة : لما كان الفكر حركة فهو من الأمور المادية لأن الحركة من خواصّ الجسم ، وحيث إنها من خواصّ الجسم توجب التعب والملل للبدن ، فلو كان الفكر امرا روحانيا لكان الانسان لا يعرف الكلل لأن الروحاني كالعلوم والمعارف يوجب النشاط والترويح للنفس . بل المفكرة متعلقة بالدماغ والنفس تأخذها آلة لها لادراك الكليات وذلك التعلق يوجب ملال الدماغ وتعب البدن . فحيث إن الحركة لابد فيها من التعلق بالمادة فأيقن ان القوة النظرية أي العقلي النظري من شأنه أن يضبط الأشياء ويقيّدها فيحصر الأمر الإلهي الذي لا ينحصر في نفسه فيما يدركه والحقيقة تأبي وتمنع من ذلك . والمفكرة قوة جسمانية يتصرف فيها الوهم تارة ، والعقل أخرى فهي محلّ ولايتهما ، والوهم ينازع العقل ، والعقل لا نغماس آلته في المادة الظلمانية لا يقدر على ادراك الشيء ادراكا تاما خصوصا مع وجود المنازع ، ولا يسلم مدركاته عن الشبه النظرية فيبقي صاحبه لا يزال شاكّا أو ظانّا فيما ادركه بخلاف أرباب اليقين فإنهم يشاهدون الأشياء بنور ربهم لا بتعلّمهم وتفكرهم . قال سبحانه :إِنَّ فِي ذلِكَ لَذِكْرى لِمَنْ كانَ لَهُ قَلْبٌ ،لتقلبه في أنواع الصور والصفات ، ولم يقل لمن كان له عقل فان العقل قيد وعقال فيحصر الأمر في نعت واحد والحقيقة تابي الحصر في نفس الأمر . هذا ما افاده الشيخ الأكبر في الفصّ الشعيبي من فصوص الحكم والشارح القيصري في شرحه . وغرضنا في التبصرة أن العارف في تشنيع العقل ناظر إلى العقل الجزئي أي العقل النظري . ثم تشنيعه إياه كأنه خطاب إلى الفيلسوف المنطقي ملتمسا إياه بقوله تعال إلى الدرجات العالية القلبية ولا تقف في المنازل العقلية النظرية ، كما أن المتكلم يقول للعامي تعال إلى الكمال الكلامي ، والحكيم يقول للمتكلم تعال إلى المعارف العقلية ، والعارف المتوغل في الحكمة المتعالية والمشاهد العرفانية يقول له تعال إلى المعارج القلبية ، لا أن العارف يشنّع العقل الكلّي . وفي الحقيقة القرآن والعرفان والبرهان لسان واحد في تبيين الحقائق فتبصّر .