يكون آلة للحكمة وينظر به إليها وما به ينظر إلى الشيء فان فيه فهو هو لكن من حيث إنه ينظر به لا من حيث إنه ينظر فيه . وانتفاع غيرها به إنما هو غاية بالعرض .
من منطق عيونه خرارة « 20 » أي كثيرة الجريان وخرير الماء صوته « 21 » . وهذا وما بعده تمثيلات أنيقة في تحسين المنطق واردها قريحة عالية الشأن طيارة « 22 » فضلا عن أن
شرح
( 20 ) . قوله : « من منطق عيونه خرّاره » ناظر في وصف المنطق بتلك الأوصاف إلى كلمات الشيخ الرئيس في رسالة حيّ بن يقظان ، حيث قال : « فرجع بنا الحديث إلى مسائلته عن إقليم إقليم ممّا أحاطه بعلمه ووقف على خبره . فقال : إن حدود الأرض ثلاثة : حدّ يحوزه الخافقان وقد أدرك كنهه وترامت الأخبار الجليّة المتواترة والغريبة يجلّ ما يحتوي عليه ؛ وحدّان غريبان ، حدّ وراء المغرب وحدّ وراء المشرق لكلّ واحد منهما حد محجور لن يعدوهما إلا الخواص منهم المكتسبون منّة لم يتأت للبشر بالفطرة . وممّا يفيدها الاغتسال بعين خرّارة في جوار عين الحيوان الراكدة إذا هدي إليها السائح ، فتطهّر بها وشرب من فراتها ، سرت في جوارجه منّة مبتدعة يقوي بها على قطع تلك المهامة ، ولم يرسب في البحر المحيط ولم يتكأده جبل قاف ولم تدهدهه الزبانية مدهدهة إلى الهاوية . فاستزدناه شرح حال هذه العين ؛ فقال :
سيكون قد بلغكم حال الظلمات المقيمة بناحية القطب فلا يسطع عليها الشارق في كل سنة إلى أجل مسمّى انّها من خاضها ولم يخم عنها ( ولم يحتم عنها - خ ) أفضى إلى فضاء غير محدود قد شحن نورا .
فيعرض له أول شيء عين خرّارة تمدّ نهرا على البرزخ من اغتسل منها خفّ على الماء ، فلم يرجحن إلى الغرق وتقمّم تلك الشواهق غير منصب حتى تخلّص إلى أحد الحدّين المنقطع عنهما . الخ ( ص 33 - 38 ، ابن سينا وتمثيل عرفاني ط إيران ) .
أراد بالعين الخرارة علم المنطق ، وأراد بعين الحيوان الراكدة علوم الحقائق ، وأراد بالزبانية الشكوك ، وأراد بناحية القطب النفس الانسانية التي عليها مدار امر الناس ومن جملتها تدبير البدن وسائر القوى ، وأراد بالظلمات الشكوك العارضة لطبقات الناس على درجاتهم فلا يستطيع عليها الشارق أي لا يقوي العقل والقوة النطقية على ازالتها وايضاح الحق فيها إلى أجل مسمّى وهو حين مكتسب منه يقوي منه على ذلك ، وبالبحر الهيولى ، وغروب الشمس فيها مصير الصورة إليها وملابستها إياها ، وهذا إقليم الأشياء الكائنة الفاسدة ( شرح رموز حي بن يقظان لأبي منصور بن زيلة . درة التاج ص 176 ط 1 ) .
( 21 ) . قوله : « وخرير الماء صوته » الخرير على وزن الشريف مصدر خرّمن بابي نصر وضرب .
( 22 ) . قوله : « واردها قريحة طيارة » اي وارد تلك العيون قريحة طيارة ؛ معناه ان من كان له قريحة اي طبع ومنّة طيّارة يرد هذه العيون المنطقية ، كما قال الشيخ في آخر النمط التاسع من الإشارات : « فان ما يشتمل -