تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح المنظومة — صفحة 38

مساهمون:

ص٣٨
بخروج النفس إلى كمالها الممكن في جانبي العلم والعمل لا إن فسرناها بالعلم بأحوال أعيان الموجودات على ما هي عليه في نفس الأمر بقدر الطاقة البشرية . لأن موضوع المنطق هو المعقولات الثانية « 19 » وليست بأعيان .
شرح
( 19 ) . قوله : « موضوع المنطق هو المعقولات الثانية » قد دريت أن المعقولات الثانية هي العوارض التي تلحق المعقولات الأولى التي هي حقائق الموجودات واحكامها المعقولة ؛ فسمّيّت الثانية بالنسبة إلى الأولى المتقدمة عليها في الذهن من حيث إن الثانية عارضة عليها . والمراد بالثانية ما ليست بالأولى اعمّ من أن تعرض معقولا أولا أو ثانيا . واعلم أن موضوع المنطق هو المعقولات الثانية المستندة إلى المعقولات الأولى من حيث يتوصل بها من معلوم إلى مجهول . وشرح ذلك أن للشيء معقولات أول كالجسم والحيوان وما أشبههما ، ومعقولات ثانية تستند إلى هذه وهي كون هذه الأشياء كلية وجزئية وشخصية . والنظر في اثبات هذه المعقولات الثانية يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة . وهي موضوعة لعلم المنطق لا على نحو وجودها مطلقا ، فان نحو وجودها مطلقا يثبت هناك ، وهو أنها هل لها وجود في الأعيان أو في النفس - بل بشرط آخر ، وهو أن يتوصل منها من معلوم إلى مجهول . واثبات هذه الشريطة يتعلق بعلم ما بعد الطبيعة ، وهو أن تعلم أن الكلي قد يكون جنسا ، وقد يكون فصلا ، وقد يكون نوعا ، وقد يكون خاصّة ، وقد يكون عرضا عامّا . فإذا أثبت في علم ما بعد الطبيعة الكلي الجنسي والكلي النوعي صار الكل حينئذ بهذا الشرط موضوعا لعلم المنطق ، ثم ما يعرض للكلّي بعد ذلك من لوازمها وأعراضها الذاتية يثبت في علم المنطق . وللجهات أيضا شرائط تصير بها المعقولات الثانية موضوعة لعلم المنطق ، وهو أن تعلم أن الكلي قد يكون واجبا أو مطلقا أو ممكنا ، فقد يصير بذلك الكلي موضوعا لعلم المنطق . وأما تحديد هذه الأشياء وتحقيق ما هياتها فيكون في علم الطبيعة لا في علم ما بعد الطبيعة كالحال في تحديد موضوعات سائر العلوم . ومثال المعقولات الثانية في علم الطبيعة الجسم فإنّ إثباته يكون في الفلسفة الأولى ، فكذلك اثبات الخواص التي يصير بها الجسم موضوعا لعلم الطبيعة ، وهي الحركة والتغير ، يكون فيها . وأما الأعراض التي تلزم بعد الحركة والتغير فاثباتها في علم الطبيعة . فنسبة الجسم المطلق إلى علم الطبيعة كنسبة المعقولات الثانية إلى علم المنطق . ونسبة الحركة والتغير إلى علم الطبيعة كنسبة الجهات والجنسيّة والنوعية إلى علم المنطق . وأما تحديد الجسم والحركة وتحقيق ماهيتها فيصح أن يكون في علم الطبيعة ، إذ تحديد المبادي والخواص التي تصير بها المبادي موضوعة لعلم ما ، يكون إلى صاحب ذلك العلم إن كان موضوع ذلك العلم مركبا . وأما إثبات المبادي والخواص التي بها تصير المبادي موضوعة لذلك العلم ، فيكون إلى علم آخر على ما شرح في البرهان . -