تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 44

مساهمون:

ص٤٤
وقد أجيز الوجهان في قراءة الحرميين :
أَمَّنْ هُوَ قانِتٌ آناءَ اللَّيْلِ
[ الزمر : 9 ] وكون الهمزة فيه للنداء هو قول الفراء ، ويبعده أنه ليس في التنزيل نداء بغير « يا » ويقربه سلامته من دعوى المجاز ، إذ لا يكون الاستفهام منه تعالى على حقيقته ،
شرح
وبنصبه على تقدير فعل ، أي : أعني مثلا ، وجوّز بعضهم في مثله أن يكون منصوبا على إسقاط الخافض أي في نحو كذا . قلت : وليس ذلك بمقيس في مثل هذا الموضع فلا ينبغي التخريج عليه . ( وقد أجيز الوجهان ) وهما كون الهمزة للنداء وكونها للاستفهام . ( في قراءة الحرميين ) نافع المدني وابن كثير المكي ، قوله تعالى في سورة الزمر :أَمَّنْبميم واحدة خفيفةهُوَ قانِتٌأي قائم بوظائف العباداتآناءَ اللَّيْلِأي ساعاته ، واحدها : إنو بكسر الهمزة وسكون النون أي كحمل ، قلت : وليست هذه القراءة مختصة بالحرميين كما يشعر به كلام المصنف بل قرأ بها حمزة أيضا . ( وكون الهمزة فيه ) أي في هذا الكلام ( للنداء هو قول الفراء ) من الكوفيين ( ويبعده ) إما من الإبعاد أو من التبعيد ، والثاني أولى لمناسبة قوله بعد : ويقربه فإنه من التقريب ( أنه ليس في التنزيل نداء بغير ياء ) هذا فاعل الفعل من يبعده ، أي ويبعد قول الفراء انتفاء وقوع نداء بغير ياء ، فجعل الهمزة هنا للنداء حمل على ما لم يقع له نظير في القرآن مع إمكان السلامة منه ، وهو بعيد ، قال بعض من عاصر المصنف : الإبعاد بمجرد ما ذكر لا يظهر فكم في القرآن من مفرد لم يقع إلا في محل واحد كضيزى والزبانية والعهن ، قلت : هذا لا يشبه ما الكلام فيه ، فإن البحث مفروض في كلمة قرآنية تتردد بين معنيين لأحدهما نظير في القرآن دون الآخر ، كالهمزة في الآية حيث ترددت بين أن تجعل للاستفهام - وله في التنزيل نظائر - وأن تجعل للنداء ولا نظير له فيه ، فأين هذا من ضيزى ونحوه ؟ ! وفي تفسير ابن عطية تجويز الوجهين ، لكنه أبعد وجه النداء بأنه أجنبي من معنى الآيات قبله وبعده ، قلت : وفيه نظر لأن المأمور بالقول في الآية السابقة - وهو قل تمتع - هو النبي صلّى اللّه عليه وسلّم ، وكذا هو المخاطب بقوله :قُلْ يا عِبادِيَ[ الزمر : 53 ] وقوله :قُلْ إِنِّي أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ اللَّهَ[ الزمر : 11 ] وقوله :قُلْ إِنِّي أَخافُ إِنْ عَصَيْتُ رَبِّي[ الأنعام : 15 ] وقوله :قُلْ إِنَّ الْخاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أَنْفُسَهُمْ[ الزمر : 15 ] فما بعد الآية المتقدّمة وما قبلها مناسب لها لا أجنبي عنها . ( ويقربه ) أي : قول الفراء شيئان الأوّل ( سلامته من دعوى المجاز ) اللازم على جعل الهمزة للاستفهام . ( إذ لا يكون الاستفهام منه تعالى على حقيقته ) ضرورة أنه يستلزم الجهل بالمستفهم عنه ،
شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 44 | محمد بن أبي بكر الدماميني / احمد عزو عناية