تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 45

مساهمون:

ص٤٥
ومن دعوى كثرة الحذف ؛ إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام : أمن هو قانت خير أم هذا الكافر ، أي المخاطب بقوله تعالى :
قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا
[ الزمر : 8 ] فحذف شيئان : معادل الهمزة والخبر ؛
شرح
والجهل على اللّه سبحانه وتعالى مستحيل ، قال الشيخ بهاء الدين السبكي في « شرح التلخيص » : ( لا شك أن الاستفهام طلب الفهم ولكن هل هو طلب فهم المستفهم ، أو وقوع فهم من لم يفهم كائنا من كان ، فإذا قال من يعلم قيام زيد لعمرو بحضور بكر الذي لا يعلم قيامه : هل قام زيد ، فقد طلب من المخاطب الفهم ، أعني فهم بكر ، وإذا كان كذلك فلا بدع في صدور الاستفهام ممن يعلم المستفهم عنه ، ولا مانع حينئذ من جعل الاستفهامات الواردة في القرآن على حقيقتها ، بناء على أن طلب الفهم مصروف إلى غير المستفهم كما في قوله تعالى :أَ أَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ اتَّخِذُونِي[ المائدة : 116 ] فهو استفهام حقيقي ، طلب به إقرار عيسى عليه السّلام في ذلك المشهد العظيم بأنه لم يقل ذلك ؛ ليحصل فهم النصارى ذلك ، فيتقرر عندهم كذبهم فيما ادعوه ) ، هذا كلامه . قلت : « ومنه سؤال جبريل النبي عليه الصلاة والسّلام عن الإيمان والإسلام والإحسان حيث قال : ما الإيمان ؟ قال : الإيمان أن تؤمن باللّه وملائكته وكتبه ورسله وتؤمن بالبعث ، قال : ما الإحسان ؟ قال : أن تعبد اللّه كأنك تراه ، وفي آخر الحديث : ثم أدبر فقال : ردوه فلم يروا شيئا فقال : هذا جبريل جاء يعلم الناس دينهم » « 1 » ، فقد استفهم جبريل النبي صلّى اللّه عليه وسلم ؛ ليجيب بما أجاب فيفهم الحاضرون ويتعلموا دينهم ، ولم يكن غرضه طلب فهم نفسه ، بل فهم غيره ممن يستمع الجواب ، وهو على هذا استفهام حقيقي . ( و ) الثاني سلامته ( من دعوى كثرة الحذف ، إذ التقدير عند من جعلها للاستفهام : أمن هو قانت خير أم هذا الكافر ، أي المخاطب بقوله ) أي بمكحي قوله :قُلْ تَمَتَّعْ بِكُفْرِكَ قَلِيلًا[ الزمر : 8 ] ولو جعل القانت غير القانت ، كافرا كان أو عاصيا لكان حسنا فإنه ذكر أولا مقابل القانت باعتبار القسمين أما الكافر فصريحا ، وأما غير المخلص فتلويحا . ( فحذف شيئان معادل الهمزة ) وهو أم ( والخبر ) وهو خير ، بل ثلاثة أشياء ، هذان الأمران ومعادل مدخول الهمزة ، وهو ما دخلت عليه أم ، وهذا أليق بتقرير كثرة الحذف ، وكلام المصنف هذا صريح في أن أم المقدرة متصلة ، وأن الاستفهام هنا ليس على حقيقته ولا يكون للإنكار وسيأتي الكلام فيه .
هامش
( 1 ) أخرجه البخاري ، كتاب الإيمان ، باب سؤال جبريل النبي عن الإيمان والإسلام والإحسان ( 50 ) ، ومسلم ، كتاب الإيمان ، باب بيان الإيمان والإسلام والإحسان ( 8 ) ، والترمذي ، كتاب الإيمان عن رسول اللّه ، باب ما جاء في وصف جبريل للنبي صلّى اللّه عليه وسلم الإيمان والإسلام ( 2610 ) .