تخطي إلى المحتوى الرئيسي

شرح الدماميني على مغني اللبيب — صفحة 439

مساهمون:

ص٤٣٩
وأما المهلة فزعم الفرّاء أنها قد تتخلّف ، بدليل قولك : « أعجبني ما صنعت اليوم ثمّ ما صنعت أمس أعجب » ، لأن « ثمّ » في ذلك لترتيب الإخبار ، ولا تراخي بين الإخبارين ، وجعل منه ابن مالك
ثُمَّ آتَيْنا مُوسَى الْكِتابَ
[ الأنعام : 154 ] الآية ، وقد مر البحث في ذلك ،
شرح
ذلك تصريح بما يخالف هذا المعنى وذلك ؛ لأن مضمون الكلام على ما أجاب به أن سؤدد الابن سابق لسؤدد الأب وسؤدد الأب سابق لسؤدد الجد ، والسابق للسابق للشيء سابق لذلك الشيء ، فتكون سيادة الابن سابقة لكل من سيادة أبيه وسيادة جده ، وسيادة الأب سابقة لسيادة الجد ، وقول الشاعر قبل ذلك مناف لهذا بلا شك . وبعد فأنا أقول : لا خفاء في أن القائل بأن ثم تستعمل بدون ترتيب كالواو ، ويقول : بأن ذلك استعمال مجازي ، ولا يشترط في آحاد المجاز أن تنقل بأعيانها عن أهل اللغة ، بل يكتفي بالعلاقة على المذهب المختار ، وقد بينا وجه العلاقة المصححة فيما مر ، وإذا كان كذلك فالسعي في تأويل تلك الأمثلة بما يصح الترتيب فيها نظر في أمر جزئي لا يقتضي بطلان المدعى من أصله فتأمله . ( وأما المهلة فزعم الفراء أنها قد تختلف ) فتكون ثم حينئذ مستعملة استعمال الفاء مجازا ( بدليل : قولك : أعجبني ما صنعت اليوم ثم ما صنعت أمس أعجب ؛ لأن ثم في ذلك لترتيب الأخبار ولا تراخي بين الإخبارين ) كما تقدم ضرورة اتصال أحدهما بالإخبار . ( وجعل منه ابن مالك ثم آتينا موسى الكتاب الآية ، وقد مر البحث في ذلك ) بما يقتضي أن يكون منه ، حيث قال : إن الجواب الأخير وهو كون ثم لترتيب الأخبار يصح أن يجاب به عن الآية الأخيرة ، وصرح به في « المدارك » فقال : ثم أخبركم أن آتينا موسى الكتاب . وفي « الكشاف » إشعار به فإن فيه ما نصه : فإن قلت : علام عطف قوله ثم آتينا موسى الكتاب ؟ قلت : على وصاكم به ، فإن قلت : كيف صح عطفه عليه بثم والإيتاء قبل التوصية ؟ قلت : هذه التوصية قديمة لم تزل توصاها كل أمة على لسان نبيها ، كما قال ابن عباس : محكمات لم ينسخهن شيء من جميع الكتب ، فكأنه قيل : ذلكم وصاكم به يا بني آدم قديما وحديثا ، ثم أعظم من ذلك أنا آتينا موسى الكتاب ، وأنزلنا هذا الكتاب المبارك ، قال التفتازاني : ويعني بقوله : على وصاكم به جملة ذلكم وصاكم به ؛ لظهور أنه ليس عطفا على الفعلية الواقعة خبر ذلكم ، وقوله والإيتاء قبل التوصية ؛ لأنها في القرآن المنزل بعد التوراة بمدة ، وأول الجواب يشعر بأن ثم للتراخي الزماني ؛ لأن التوصية كانت قبل التوراة ، وآخره يشعر بأنه للتراخي الرتبي لكون إيتاء التوراة وإنزال القرآن أعظم من تلك التوصية ؛ لاشتمالها عليها وعلى أمثالها مع