ويقوّيه أنه روي « ونصفه » وقوله [ من الكامل ] :
93 - قوم إذا سمعوا الصّريخ رأيتهم * ما بين ملجم مهره أو سافع
ومن الغريب أن جماعة - منهم ابن مالك - ذكروا مجيء « أو » بمعنى الواو ، ثم ذكروا أنها تجيء بمعنى « ولا » ، نحو :
وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ أَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
شرح
إلى سرب حمام طائر فيه ست وستون حمامة وعندها حمامة واحدة ، فقال :ليت الحمام ليه إلى حمامتيه * أو نصفه قديه تم الحمام رميه « 1 »قال أصحاب المعاني : لما أراد النابغة وصف هذه الحكيمة الحاسبة بسرعة إصابتها شدد الأمر وضيقه ؛ ليكون أبلغ في مدحها بالإصابة ، وذلك أنه جعلها تحزر الطير إذ كان الطير أخف ما يتحرك ، ثم كونه حماما مما يؤكد هذا الغرض لكونه أسرع الطير ، ثم كثرة العدد تقتضي شدة الطيران ؛ لأن ذلك مظنة استباقها ثم ورودها الماء مما يوجب المبالغة في الإسراع ؛ لأنها حالة عطش وحرص على سرعة الوصول إلى الماء ، قلت : وكون الماء قليلا مما يقتضي شدة الازدحام عليه ، وكونه لا مادة له أشد في الحرص على النيل منه ، والثمد الماء القليل الذي لا مادة له وحسبوه بالتشديد عدوه فألقوه وجدوه ، ويروى كما حسبت بدل كما ذكرت وكون أو في البيت بمعنى الواو ظاهر ( ويقويه أنه يروى ونصفه بالواو وقوله :يا قوم إذا سمعوا الصريخ رأيتهم * من بين ملجم مهره أو سافع ) « 2 »الصريخ : صوت المستصرخ ، والملجم هو جاعل اللجام في محله من الفرس ، والسافع :
هو الآخذ بناصية فرسه ، ومنهلَنَسْفَعاً بِالنَّاصِيَةِ[ العلق : 15 ] ومن إما زائدة على رأي الأخفش والكوفيين أي : رأيتهم بين هذين القسمين لا يخرجون عنهما ، وإما للابتداء متعلقة بفعل الرؤية أي : رؤيتك إياهم ابتدأت من بين هذين القسمين ، وعلى كل من الاحتمالين فأو بمعنى الواو ضرورة اقتضاء بين الإضافة إلى متعدد ، وإذا كانت أو على بابها كان المعنى بين أحد هذين القسمين ولا تعدد في الأحد ، ولقائل أن يقول : لم لا يجوز أن يكون المراد بين فريق ملجم أو فريق سافع ، فكل واحد من القسمين ذو تعدد ، فهو كقولك : جلست بين العلماء أو الزهاد وأو لأحد الأمرين ولا إشكال ، ( ومن الغريب أن جماعة منهم ابن مالك ذكروا مجيء أو بمعنى الواو ثم ذكروا أنها تجيء بمعنى ولا نحو :وَلا عَلى أَنْفُسِكُمْ) أي : لا حرجأَنْ تَأْكُلُوا مِنْ بُيُوتِكُمْ
هامش
( 1 ) البيت من البحر الرجز وهو لزرقاء اليمامة في لسان العرب 12 / 159 ( حمم ) .
( 2 ) البيت من البحر الكامل ، وهو لعمرو بن معديكرب في ديوانه ص 145 ، ولحميد بن ثور في ديوانه ص 111 ، وبلا نسبة في الأشباه والنظائر 8 / 218 ، وأوضح المسالك 3 / 379 .