ول « إمّا » خمسة معان :
أحدها : الشّكّ ، نحو : « جاءني إمّا زيد وإمّا عمرو » ، إذا لم تعلم الجائي منهما .
والثاني : الإبهام ، نحو :
وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 106 ] .
والثالث : التخيير ، نحو :
إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً
[ الكهف : 86 ] ،
إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى
[ طه : 65 ] ، ووهم ابن الشّجري ، فجعل من ذلك
إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ
[ التوبة : 106 ] .
شرح
( ولإما خمسة معان ) إنما هي لأحد الشيئين أو الأشياء والمعاني المذكورة ليست مستفادة من نفس إما ، وإنما تستفاد من أمر آخر وقد ذكر المصنف هذا في أو وفاته هنا ، ولا فرق بين الحرفين في ذلك .
( أحدها : الشك نحو قولك : جاءني إما زيد وإما عمرو إذا لم تعلم ) أنت ( الجائي منهما .
والثاني الإبهام ) على السامع وهو الذي يعبرون عنه بالتشكيك ، ( نحووَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ[ التوبة : 106 ] ) أي : إن صدوا ولم يتوبوا ،وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ[ التوبة : 106 ] أي : إن تابوا وهم ثلاثة كعب بن مالك ، وهلال بن أمية ، ومرارة بن الربيع الذين تخلفوا عن غزوة تبوك فاللّه سبحانه وتعالى أعلم بحقيقة حالهم ، وما يؤول إليه أمرهم ، لكن أبرز الكلام في قالب لا يجزم السامع معه بأحد الأمرين معينا ، ولكن يشك .
( والثالث التخيير نحو ) :قُلْنا يا ذَا الْقَرْنَيْنِ إِمَّا أَنْ تُعَذِّبَ وَإِمَّا أَنْ تَتَّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً[ الكهف : 86 ] فخير بين تعذيبهم بالقتل إن أصروا على الكفر وبين اتخاذ الحسن فيهم بإكرامهم وتعليم الشرائع إن آمنوا ، ويجوز أن يكون المراد بالتعذيب القتل ، وباتخاذ الحسن الأسر ؛ لأنه بالنظر إلى القتل إحسان لما فيه من بقاء الحياة مدة ، فإن قلت : التي للتخيير لا بد أن تكون واقعة بعد الطلب ، ولا طلب في الآية قلنا : التقدير - واللّه تعالى أعلم - قلنا : يا ذا القرنين افعل إما أن تعذب ، وإما أن تتخذ فيهم حسنا ، فإن وصلتها بعد إما الأولى في محل نصب على المفعولية بالفعل المحذوف ، وما بعد إما الثانية معطوف على الأولى أي : افعل إما تعذيبهم وإما اتخاذ الحسن فيهم ، ونحوقالُوا يا مُوسى إِمَّا أَنْ تُلْقِيَ وَإِمَّا أَنْ نَكُونَ أَوَّلَ مَنْ أَلْقى[ طه : 65 ] وإن وصلتها في محل نصب على المفعولية بفعل مقدر ، أي : اختر إلقاءك أولا أو كوننا الملقين أولا ، وجوز فيه أن يكون في محل رفع على أنه خبر لمحذوف أي : الأمر إلقاؤنا أو إلقاؤك ، ( ووهم ابن الشجري فجعل من ذلك ) الآية المتقدمة وهي قوله تعالى :وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لِأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ[ التوبة :
106 ] ، وإنما هي من قبيل الإبهام كما مر ولم يبين المصنف وجه الوهم ، وكأنه ما تقرر من أنه لا بد