وهذا المعنى هو المشار إليه في آية البقرة السابقة فتأمّلها .
وقد تأتي لغير تفصيل أصلا ، نحو : « أمّا زيد فمنطلق » .
شرح
الأول ، قال التفتازاني : أما أولا فلأنه لو أريد بيان حظ الراسخين مقابلا لحظ الزائغين لكان المناسب أن يقال : وأما الراسخون فيقولون .
وأما ثانيا فلأنه لا فائدة حينئذ في قيد الرسوخ بل هذا حكم العالمين كلهم .
وأما ثالثا فلأنه حينئذ لا ينحصر الكلام في المحكم والمتشابه على ما هو مقتضى ظاهر العبارة ، حيث لم يقل ومنه متشابهات ؛ لأن ما لا يكون متضح المعنى وتهتدي العلماء إلى تأويله ورده إلى المحكم ، مثلإِلى رَبِّها ناظِرَةٌ( 23 ) [ القيامة : 23 ] لا يكون محكما ولا متشابها بالمعنى الذي ذكرتم وهو كثير جدا .
وأما رابعا فلأن المحكم حينئذ لا يكون أما للكتاب بمعنى رجوع المتشابه إليه ؛ إذ لا رجوع إليه فيما استأثر اللّه تعالى به كعدد الزبانية ونحوه ، وقد يرجح الثاني بأن أما للتفصيل فلا بد في مقابلة الحكم على الزائغين من حكم على الراسخين ، ليتحقق التفصيل غاية الأمر أنه حذف كلمة أما والفاء من اللفظ ، وبأن الآية من قبيل الجمع والتفريق والتقسيم ، فالجمع في قوله :أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتابَ[ آل عمران : 7 ] ، والتقسيم في قوله تعالى :مِنْهُ آياتٌ مُحْكَماتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتابِ وَأُخَرُ مُتَشابِهاتٌ[ آل عمران : 7 ] ، والتفريق في قوله :فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌفلا بد في مقابلة ذلك من حكم يتعلق بالمحكم وهو مضمون قوله :الرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ[ النساء : 162 ] إلى قوله : أولوا الألباب [ النساء : 162 ] ، والجواب أن كون أما للتفصيل أكثري لا كلي ، ولو سلم فليس ذكر المقابل في اللفظ بلازم ، ثم لو سلم كون الآية من الجمع والتفريق والتقسيم فذكر المقابل على سبيل الاستئناف أو الحال ، أعني : يقولون إلخ كاف في ذلك .
والحق أنه إن أريد بالمتشابه ما لا سبيل إليه للمخلوق فالحق الوقف على إلا اللّه ، وإن أريد ما لا يتضح بحيث يتناول المجمل والمؤوّل فالحق العطف . إلى هنا كلامه .
( وهذا المعنى ) الذي ذكرناه من انقسام الخلق في المتشابه إلى قسمين : مؤمنين به مسلمين فيه إلى اللّه مع اعتقاد حقية المراد عنده ( هو المشار إليه في آية البقرة السابقة ) وهي قوله تعالى :إِنَّ اللَّهَ لا يَسْتَحْيِي أَنْ يَضْرِبَ مَثَلًا ما بَعُوضَةً فَما فَوْقَها فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِنْ رَبِّهِمْ وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ ما ذا أَرادَ اللَّهُ بِهذا مَثَلًا[ البقرة : 26 ] ( فتأملها ) تجدها موافقة لحاصل المعنى من آية آل عمران وفيه نظر ، ( وقد تأتي لغير تفصيل أصلا نحو : أما زيد فمنطلق ) وهذا مخالف لما ذكره المصنف في حواشيه على « التسهيل » فإنه قال فيها : والظاهر أن أما زيد