ثم إن قصّة الخليل التي فيها :
قالُوا سَلاماً
[ هود : 69 ] ليست في السورة التي فيها
سِيءَ بِهِمْ
[ العنكبوت : 33 ] ، بل في سورة هود ، وليس فيها « لمّا » ثم كيف يتخيّل أن التحية تقع بعد المجيء ببطء ؟ وإنما يحسن اعتقاد تأخّر الجواب في سورة العنكبوت إذ الجواب فيها :
قالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ
[ العنكبوت : 31 ] ، ثم إن التعبير بالإساءة لحن ، لأن الفعل ثلاثي كما نطق به التنزيل ، والصواب المساءة ، وهي عبارة الزمخشريّ .
شرح
مجموع هذه الأمور المرتبة في هذه الآية من حيث هو مجموع ، ليس شديد الاتصال لمجيء الرسل حتى يعد المجموع كأنه واقع في جزء واحد من الزمان ، دخلت أن في آية العنكبوت ؛ لأنه لم يرتب فيها على مجيء الرسل غير مساءة لوط وضيق ذرعه ، وهما شديدا الاتصال بذلك المجيء ، فأتى بها إشعارا بهذا المعنى كما قال الزمخشري فتأمله ، والذرع مصدر مأخوذ من الذراع ، ولما كان الذراع موضع شدة الإنسان قيل في الأمر : الذي لا طاقة للإنسان به ضاق بهذا الأمر : ذراع فلان ، وذرعه أيضا أي : حيلته بذراعه وتوسعوا في هذا حتى قلبوه فقالوا : فلان رحب الذراع إذا وصفوه باتساع القدرة ، ومنه قول القائل :يا سيدا ما أنت من سيد * موطأ الأكناف رحب الذراع « 1 »( ثم إن قصة الخليل التي فيها قالوا : سلاما ليست في السورة التي فيها سيىء بهم ) وهي سورة العنكبوت ( بل هي في سورة هود ، وليس فيها لما ) ونص التلاوة فيها أعني : في سورة هودوَلَقَدْ جاءَتْ رُسُلُنا إِبْراهِيمَ بِالْبُشْرى قالُوا سَلاماً قالَ سَلامٌ فَما لَبِثَ أَنْ جاءَ بِعِجْلٍ حَنِيذٍ[ هود : 69 ] فإن قلت : قصة الخليل التي فيها قالوا سلاما وقعت في سورة هود كما تلوناه ، وفيهاوَلَمَّا جاءَتْ رُسُلُنا لُوطاً سِيءَ بِهِمْ[ هود : 77 ] فإن لم يصدق قول : المصنف ليست في السورة التي فيها سيىء بهم ، قلت : المراد بسيىء بهم ما وقع جوابا للما المزيد بعدها أن ، وهي التي تلاها أبو حيان وهذه في سورة العنكبوت فقط ، وهذه السورة لم يقع فيها قصة الخليل التي فيها قالوا سلاما ، وإنما وقعت في سورة هود فكلام المصنف مستقيم .
( ثم كيف يتخيل أن التحية تقع بعد المجيء ببطء ؟ ! وإنما يحسن اعتقاد تأخر الجواب ) عن المجيء ( في سورة العنكبوت إذ الجواب فيهاقالُوا إِنَّا مُهْلِكُوا أَهْلِ هذِهِ الْقَرْيَةِ[ العنكبوت : 31 ] ) لا قولهم قالوا سلاما كما في سورة هود ( ثم التعبير ) أي : تعبير أبي حيان ( بالإساءة لحن ؛ لأن الفعل ثلاثي كما نطق به التنزيل ) في قوله : سيىء بهم ( والصواب المساءة وهي عبارة الزمخشري )
هامش
( 1 ) البيت من البحر السريع ، وهو للسفاح بن بكير في خزانة الأدب 6 / 95 ، والدرر 3 / 23 .