فقال له الملك : دعوتك لخير ، انّ لي ابنة قد رغبت فيك أريد أن ازوّجها منك فإن كنت مسكينا أغنيناك ورفعناك وشرّفناك ، قال الغلام : ما لي فيما تدعوني إليه حاجة ، فإن شئت ضربت لك مثلا أيّها الملك ؟ قال : فافعل .
قال الغلام : زعموا أنّ ملكا من الملوك كان له ابن وكان لابنه أصدقاء صنعوا له طعاما ودعوه إليه فخرج معهم ، فأكلوا وشربوا حتى سكروا فناموا ، فاستيقظ ابن الملك في وسط الليل فذكر أهله فخرج عائدا إلى منزله ، ولم يوقظ أحدا منهم ، فبينا هو في مسيره إذ بلغ منه الشراب فبصر بقبر على الطريق ، فظنّ أنّه مدخل بيته فدخله ، فإذا هو بريح الموتى فحسب ذلك لما كان به السّكر أنّه رياح طيّبة فإذا هو بعظام لا يحسبها الّا فرشه الممهدة .
فإذا هو بجسد قد مات حديثا وقد أروح فحسبه أهله فقام إلى جانبه فاعتنقه وقبّله وجعل يعبث به عامّة ليلة ، فأفاق حين أفاق ونظر حين نظر فإذا هو على جسد ميّت وريح منتنة ، قد دنس ثيابه وجلده ، ونظر إلى القبر وما فيه من الموتى ، فخرج وبه من السوء ما يختفي به من الناس أن ينظروا إليه متوجّها إلى باب المدينة ، فوجده مفتوحا فدخله حتى أتى أهله فرأى أنّه قد أنعم عليه حيث لم يلقه أحد ، فألقى عنه ثيابه تلك واغتسل ولبس لباسا أخرى وتطيّب .
عمرك اللّه أيّها الملك أتراه راجعا إلى ما كان فيه وهو يستطيع ؟ قال : لا ، قال :
فانّي أنا هو ، فالتفت الملك إلى امرأته وابنته وقال : قد أخبرتكم أنّه ليس له فيما تدعونه رغبة ، قالت امّها : لقد قصرت في النعت لابنتي والوصف لها أيّها الملك ، ولكنّي خارجة إليه ومتكلّمة ، فقال الملك للغلام : انّ امرأتي تريد أن تكلّمك وتخرج إليك ولم تخرج إلى أحد قبلك ، فقال الغلام : لتخرج إن أحبّت .
عين الحياة — صفحة 530
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٥٣٠