أشدّكم حبّا إلىّ أسرعكم إلى دفني ، والتخلية بيني وبين ما قدّمت من عملي ، وأسلفت من ذنوبي ، فيورثني ذلك الحسرة ويعقبني الندامة وقد كنتم وعدتموني أن تمنعوني من عدوّي الضارّ فإذا أنتم لا منع عندكم ولا قوّة على ذلك لكم ولا سبيل لكم ، أيّها الملأ اني محتال لنفسي إذ جئتم بالخداع ، ونصبتم لي شراك الغرور « 1 » .
فقالوا : أيّها الملك المحمود لسنا الذي كنا كما أنّك لست الذي كنت ، وقد أبدلنا الذي أبدلك ، وغيّرنا الذي غيّرك ، فلا تردّ علينا توبتنا وبذل نصيحتنا ، قال : أنا مقيم فيكم ما فعلتم ذلك ، ومفارقكم إذا خالفتموه .
فأقام ذلك الملك في ملكه وأخذ جنوده بسيرته واجتهدوا في العبادة ، فخصبت بلادهم ، وغلبوا عدوّهم ، وازداد ملكهم حتى هلك ذلك الملك ، وقد صار فيهم بهذه السيرة اثنين وثلاثين سنة ، فكان جميع ما عاش أربعا وستّين سنة .
قال يوذاسف : قد سررت بهذا الحديث جدّا ، فزدني من نحوه أزدد سرورا ولربّي شكرا .
قال الحكيم : زعموا أنّه كان ملك من الملوك الصالحين وكان له جنود يخشون اللّه عزّ وجلّ ويعبدونه ، وكان في ملك أبيه شدّة من زمانهم والتفرّق فيما بينهم ، وتنقّص العدوّ من بلادهم ، وكان يحثّهم على تقوى اللّه عزّ وجلّ وخشيته والاستعانة به ومراقبته والفزع إليه .
فلمّا ملك ذلك الملك قهر عدوّه ، واستجمعت رعيّته ، وصلحت بلاده ، وانتظم له الملك ، فلمّا رأى ما فضّل اللّه عزّ وجلّ به أترفه ذلك وأبطره وأطغاه
هامش
( 1 ) الشراك : آلة الصيد .