بقدر ما استصلحت .
ألست أيّها الملك إذا خلّيت ما في يديك من صلاح امّتك فقد أردت فسادهم ، وإذا أردت فسادهم فقد حملت من الاثم فيهم أعظم ممّا أنت تصيب من الأجر في خاصّة يديك .
ألست أيها الملك قد علمت أنّ العلماء قالوا : من أتلف نفسا فقد استوجب لنفسه الفساد ، ومن أصلحها فقد استوجب الصلاح لبدنه ، وأيّ فساد أعظم من رفض هذه الرعية التي أنت إمامها ، والإقامة في هذه الأمّة التي أنت نظامها ، حاشا لك أيّها الملك أن تخلع عنك لباس الملك الذي هو الوسيلة إلى شرف الدنيا والآخرة .
قال : قد فهمت الذي ذكرتم ، وعقلت الذي وصفتم ، فإن كنت إنّما أطلب الملك عليكم للعدل فيكم والأجر من اللّه تعالى ذكره في استصلاحكم بغير أعوان يرفدونني ، ووزراء يكفونني فما عسيت أن أبلغ بالوحدة فيكم ، ألستم جميعا نزعا إلى الدنيا وشهواتها ولذّاتها ولا آمن أن اخلد إلى الدنيا التي أرجو أن أدعها وأرفضها ، فإن فعلت ذلك أتاني الموت على غرّة ، فأنزلني عن سرير ملكي إلى بطن الأرض ، وكساني التراب بعد الديباج والمنسوج بالذهب ونفيس الجوهر ، وضمّني إلى الضيق بعد السعة ، وألبسني الهوان بعد الكرامة .
فأصبر فريدا بنفسي ليس معي أحد منكم في الوحدة ، قد أخرجتموني من العمران ، وأسلمتموني إلى الخراب ، وخلّيتم بين لحمي وسباع الطير وحشرات الأرض ، فأكلت مني النملة فما فوقها من الهوامّ ، وصار جسدي دودا وجيفة قذرة ، الذلّ لي حليف ، والعزّ مني غريب .
عين الحياة — صفحة 521
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٥٢١