قال : قولوا آمنين واذكروا ما بدا لكم غير مرعوبين ، فانّي كنت إلى اليوم مغلوبا بالحميّة والأنفة ، وأنا اليوم غالب لهما ، وكنت إلى اليوم مقهورا لهما وأنا اليوم قاهر لهما ، وكنت إلى اليوم ملكا عليكم فقد صرت عليكم مملوكا ، وأنا اليوم عتيق وأنتم من مملكتي طلقاء ، قالوا : أيّها الملك ما الذي كنت مملوكا إذ كنت علينا ملكا .
قال : كنت مملوكا لهواي ، مقهورا بالجهل ، مستعبدا لشهواتي ، فقد قطعت تلك الطاعة عنّي ونبذتها خلف ظهري ، قالوا : فقل ما أجمعت أيّها الملك ؟ قال :
القنوع والتخلّى لآخرتي ، وترك هذا الغرور ونبذ هذا الثقل عن ظهري ، والاستعداد للموت ، والتأهّب للبلاء ، فإنّ رسوله عندي قد ذكر أنّه قد أمر بملازمتي والإقامة معي حتّى يأتيني الموت .
فقالوا : أيّها الملك ومن هذا الرسول الذي قد أتاك ولم نره ، وهو مقدّمة الموت الذي لا نعرفه ، قال : أمّا الرسول فهذا البياض يلوح بين السواد ، وقد صاح في جميعه بالزوال فأجابوا وأذعنوا ، وأمّا مقدمة الموت فالبلاء الذي هذا البياض طرقه .
قالوا : أيّها الملك أفتدع مملكتك وتهمل رعيّتك ، وكيف لا تخاف الاثم في تعطيل أمّتك ، ألست تعلم أنّ أعظم الأمر في استصلاح الناس ، وأنّ رأس الصلاح الطاعة للامّة والجماعة ، فكيف لا تخاف من الاثم ، وفي هلاك العامّة من الاثم فوق الذي ترجو من الأجر في صلاح الخاصّة .
ألست تعلم أنّ أفضل العبادة العمل ، وأنّ أشدّ العمل السياسة ، فانّك أيّها الملك ما في يديك عدل على رعيّتك ، مستصلح لها بتدبيرك ، فإنّ لك من الأجر
عين الحياة — صفحة 520
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٥٢٠