وحملتها إلى منزلي فألبستها الديباج ، ونضحتها بالماء الورد ، والطيب ، ووضعتها على الفرش وقلت إن كان من جماجم الملوك فسيؤثر فيها إكرامي إيّاها ، وترجع إلى جمالها وبهائها ، وإن كانت من جماجم المساكين فإنّ الكرامة لا تزيدها شيئا .
ففعلت ذلك بها أيّاما فلم أستنكر من هيئتها شيئا ، فلمّا رأيت ذلك دعوت عبدا هو أهون عبدي عندي فأهانها فإذا هي في حالة واحدة عند الإهانة والاكرام ، فلمّا رأيت ذلك أتيت الحكماء فسألتهم عنها فلم أجد عندهم علما بها ، ثمّ علمت أنّ الملك منتهى العلم ومأوى الحلم ، فأتيتك خائفا على نفسي فلم يكن لي أن أسألك عن شيء حتّى تبدأني به ، وأحبّ أن تخبرني أيّها الملك أجمجمة ملك أم جمجمة مسكين ؟ فانّها لمّا أعياني أمرها تفكّرت في أمرها وفي عينها التي كانت لا يملأها شيء حتّى لو قدرت على ما دون السماء من شيء تطلّعت إلى أن تتناول ما فوق السّماء .
فذهبت أنظر ما الذي يسدّها ويملأها ، فإذا وزن درهم من تراب قد سدّها وملأها ، ونظرت إلى فيها « 1 » الذي لم يكن يملأه شيء ، فملأته قبضة من تراب ، فإن أخبرتني أيّها الملك أنّها جمجمة مسكين احتججت عليك بأني قد وجدتها وسط قبور الملوك ، ثمّ أجمع جماجم ملوك وجماجم مساكين فإن كان لجماجمكم عليها فضل فهو كما قلت .
وإن أخبرتني بأنّها من جماجم الملوك أنبأتك أنّ ذلك الملك الذي كانت هذه جمجمته قد كان من بهاء الملك وجماله وعزّته في مثل ما أنت فيه اليوم ، فحاشاك أيّها الملك أن تصير إلى حال هذه الجمجمة فتوطأ بالأقدام ، وتخلط
هامش
( 1 ) يعني فمها .