وكان جريّا عليه فقالوا : انّ الملك أزرى بنفسه ، وفضح أهل مملكته ، وخرّ عن دابّته لانسانين دنيين ، فعاتبه على ذلك كيلا يعود ، ولمه على ما صنع .
ففعل ذلك أخ الملك ، فأجابه الملك بجواب لا يدري ما حاله فيه أساخط عليه الملك أم راض عنه ، فانصرف إلى منزله حتّى إذا كان بعد أيّام أمر الملك مناديا وكان يسمّى منادي الموت فنادى في فناء داره ، وكانت تلك سنّتهم فيمن أرادوا قتله ، فقامت النوائح والنّوادب في دار أخ الملك ولبس ثياب الموتى ، وانتهى إلى باب الملك وهو يبكي بكاء شديدا ونتف شعره .
فلمّا بلغ ذلك الملك دعا به ، فلمّا أذن له الملك دخل عليه ووقع على الأرض ونادى بالويل والثّبور ، ورفع يده بالتضرّع ، فقال له الملك : اقترب أيّها السّفيه أنت تجزع من مناد نادى من بابك بأمر مخلوق وليس بأمر خالق ، وأنا أخوك وقد تعلم أنّه ليس لك إليّ ذنب أقتلك عليه ، ثمّ أنتم تلومونني على وقوعي إلى الأرض حين نظرت إلى منادي ربّي إليّ وأنا أعرف منكم بذنوبي ، فاذهب فانّي قد علمت أنّه انّما استغرّك وزرائي وسيعلمون خطأهم .
ثمّ أمر الملك بأربعة توابيت فصنعت له من خشب فطلّا تابوتين منها بالذّهب وتابوتين بالقار ، فلمّا فرغ منها ملأ تابوتي القار ذهبا وياقوتا وزبرجدا ، وملأ تابوتي الذهب جيفا ودما وعذرة وشعرا ، ثمّ جمع الوزراء والأشراف الذين ظنّ أنهم أنكروا صنيعه بالرجلين الضعيفين الناسكين ، فعرض عليهم التوابيت الأربعة وأمرهم بتقويمها .
فقالوا : أمّا في ظاهر الأمر وما رأينا ومبلغ علمنا فإنّ تابوتي الذهب لا ثمن لهما لفضلهما ، وتابوتي القار لا ثمن لهما لرذالتهما ، فقال الملك : أجل هذا لعلمكم
عين الحياة — صفحة 479
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٤٧٩