فلمّا رأى ذلك اقشعرّ منهما وسأل عنهما ، فقيل له : انّ هذا المورّم من سقم باطن ، وهذا الأعمى من زمانة ، فقال ابن الملك : وانّ هذا البلاء ليصيب غير واحد ؟
قالوا : نعم ، فقال : هل يأمن أحد من نفسه أن يصيبه مثل هذا ؟ قالوا : لا ، وانصرف يومئذ مهموما ثقيلا محزونا باكيا مستخفا بما هو فيه من ملكه وملك أبيه ، فلبث بذلك أيّاما .
ثمّ ركب ركبة فأتى في مسيره على شيخ كبير قد انحنى من الكبر ، وتبدّل خلقه ، وابيضّ شعره ، واسودّ لونه ، وتقلّص جلده « 1 » ، وقصر خطوه ، فعجب منه وسأل عنه ، فقالوا : هذا الهرم ، فقال : وفي كم يبلغ الرجل ما أرى ؟ قالوا : في مائة سنة أو نحو ذلك ، وقال : فما وراء ذلك ؟ قالوا : الموت .
قال : فما يخلّى بين الرّجل وبين ما يريد من المدّة ؟ قالوا : لا وليصيرنّ إلى هذا في قليل من الأيّام ، فقال : الشّهر ثلاثون يوما ، والسنّة إثنا عشر شهرا ، وانقضاء العمر مائة سنة ، فما أسرع اليوم في الشهر ، وما أسرع الشهر في السنة ، وما أسرع السنّة في العمر ، فانصرف الغلام ، وهذا كلامه يبديه ويعيده مكرّرا له .
ثمّ سهر ليلته كلّها وكان له قلب حيّ ذكيّ ، وعقل لا يستطيع معه نسيانا ولا غفلة ، فعلاه الحزن والاهتمام ، فانصرف نفسه عن الدّنيا وشهواتها ، وكان في ذلك يداري أباه ويتلطّف عنده ، وهو مع ذلك قد أصغى بسمعه إلى كلّ متكلّم بكلمة طمع أن يسمع شيئا يدلّه على غير ما هو فيه ، وخلا بحاضنه الذي كان أفضى إليه بسرّه ، فقال له : هل تعرف من الناس أحدا شأنه غير شأننا .
قال : نعم قد كان قوم يقال لهم : النساك ، رفضوا الدنيا وطلبوا الآخرة ، ولهم
هامش
( 1 ) تقلص أي انضم وانزوى .