أتركهم ، بل وصلتهم وانقطعت إليهم ، ولكنّي كنت وأنا أنظر بعين مسحورة لا أعرف بها الأهل من الغرباء ، ولا الأعداء من الأولياء ، فلمّا انجلى عنّي السّحر استبدلت بالعين المسحورة عينا صحيحة ، واستنبت الأعداء من الأولياء ، والأقرباء من الغرباء .
فإذا الذين كنت أعدّهم أهلين وأصدقاء واخوانا وخلطاء انّما هم سباع ضارية « 1 » ، لا همّة لهم الّا أن تأكلني وتأكل بي ، غير أنّ اختلاف منازلهم في ذلك على قدر القوّة ، فمنهم كالأسد في شدّة السّورة « 2 » ، ومنهم كالذّئب في الغارة والنّهبة ، ومنهم كالكلب في الهرير والبصبصة ، ومنهم كالثعلب في الحيلة والسرقة ، فالطّرق واحدة والقلوب مختلفة .
فلو أنّك أيّها الملك في عظيم ما أنت فيه من ملكك ، وكثرة من تبعك من أهلك وجنودك وحاشيتك وأهل طاعتك ، نظرت في أمرك عرفت أنّك وحيد فريد ، ليس معك أحد من جميع أهل الأرض ، وذلك أنّك قد عرفت أنّ عامّة الأمم عدو لك ، وأنّ هذه الأمة التي أوتيت الملك عليها كثيرة الحسد « 3 » من أهل العداوة والغشّ لك .
الذين هم أشدّ عداوة لك من السّباع الضارية ، وأشدّ حنقا عليك من كلّ الأمم الغريبة ، وإذا صرت إلى أهل طاعتك ومعونتك وقرابتك وجدت لهم قوما يعملون عملا بأجر معلوم ، يحرصون مع ذلك أن ينقصوك من العمل فيزدادوك من الأجر .
هامش
( 1 ) الضاري من الكلاب ما لهج بالصيد وتعود أكله .
( 2 ) السورة : الحدة .
( 3 ) في بعض النسخ « الحشد » وهو الجماعة .