اعلم انّ لكلّ واحد من هذه الأمور أحاديث متواترة ، وسنذكر بعضها في محلّها ان شاء اللّه ، ومن الواضح انّ العزلة توجب الحرمان عن ادراك هذه الفضائل ، والأخبار الواردة في الاعتزال انّما هي في الاعتزال عن شرار الناس الذين لا يهتدى بمجالستهم ، والذين يضرون جليسهم في دينه ، والّا فمعاشرة الصلحاء وهداية الضالّين طريقة الأنبياء ومن أفضل العبادات .
بل انّ الاعتزال الممدوح يحصل حتى في وسط الناس ، والمعاشرة المذمومة تحصل حتى في الخلوة ، لأنّ مفسدة معاشرة الخلق الركون إلى الدنيا والتخلق بأخلاق أهلها ، وتضييع العمر بصحبة أهل الباطل ، وكم من معتزل عن الخلق والشيطان يصرف ذهنه وجميع حواسه إلى تحصيل الجاه واعتبار الدنيا وان كان بعيدا عن الناس ، لكنّه يعاشرهم في قلبه ، ويقوّي أخلاقهم [ السيّئة ] في نفسه .
وكم من حاضر في مجالس أهل الدنيا وهو منزجر من أفعالهم ، فهذه المعاشرة توجب زيادة بصيرته وتنفره من الدنيا ، ويترتب عليها أجر عظيم لكونها للّه ، أو لهداية خلق اللّه ، أو غيرها من الأغراض الصحيحة .
فقد روي بسند صحيح عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انّه قال : طوبى لعبد نؤمة « 1 » عرف الناس فصاحبهم ببدنه ، ولم يصاحبهم في أعمالهم بقلبه ، فعرفوه في الظاهر ، وعرفهم في الباطن « 2 » .
فالمطلوب من الاعتزال هو اعتزال القلب عن أفعال الخلق القبيحة ، وعدم الاعتماد عليهم في الأمور والتوكل على اللّه تعالى ، والاستفادة من فوائد الخلق
هامش
( 1 ) أي الذي لا يؤبه له ولا يلتفت إليه .
( 2 ) معاني الأخبار : 380 ح 8 باب نوادر المعاني - عنه البحار 75 : 70 ح 8 باب 45 .