والحذر من مفاسدهم ، والّا فالخلوة والبعد عن الناس ليسا بالطريق الصائب للانسان بل يوجبا تقوية أكثر الصفات الذميمة كالعجب لأنّه يزعم لبعده عن الناس وعدم الاختلاط معهم رفع أكثر الصفات الذميمة عنه ، فلو خالطهم وحضر مجلسا من مجالسهم ولم ترع حرمته هناك ، فيبغضهم بقلبه ويهددهم بالقتل ولا يرضى عنهم إلى يوم القيامة .
والمسكين الذي يخالط الناس دائما لم يكن له هذا النوع من العجب ، لوقوعه في هذه المهالك كثيرا ، فقد عرف نفسه ولانت بتكرار هذه الإهانات ، فقلّ كبره ولا ينزعج بهذه الإهانات .
ومن الأمور التي تطوّق المنعزل الرياء ، فبما انّه لم ير أحدا كي يتظاهر أمامه يزعم الخلوص في العبادة ، وقد خفيت عليه أوهام وخيالات النفس ، وغفل عن وساوس الشيطان التي يلقيها في مسامع قلبه في الليالي المظلمة بأنّ الناس يعلمون انعزالك في هذا المكان ، وتركك الخلق وعبادتك ، فما أحسن شهرتك في الآفاق ، وما أكثر ذكرك بالحسن والصلاح في العالم ، ويوشك أن يؤخذ تراب أقدامك للتبرك .
لكن الذي مع الناس بما أنّه عرف نفسه ، ورأى منها هذه الأمور ، وبما انّه لا يمدح على عباداته بل قد يذمّ وتنسب أعماله إلى الرياء والمخادعة ، فهو من هذه الناحية أبعد من الرياء .
وكذلك في باب التوكل وعدمه ، فإنّ بمعاشرة الناس والتفكر في أحوالهم يعلم ضعفهم وعجزهم فييأس منهم ، وكذلك في جميع الصفات .
ولو تأمّل متأمل ونظر بعين البصيرة لعلم انّ الذي يستعين باللّه ويتوسل به
عين الحياة — صفحة 353
مساهمون: العلامة المجلسي
ص٣٥٣