فإذا وجدتم عقله متينا فرويدا لا يغرنكم حتى تنظروا أمع هواه يكون على عقله ؟ أو يكون مع عقله على هواه ؟ وكيف محبته للرياسات الباطلة وزهده فيها ، فانّ في الناس من خسر الدنيا والآخرة ، يترك الدنيا للدنيا ، ويرى انّ لذة الرياسة الباطلة أفضل من لذة الأموال والنعم المباحة المحللة ، فيترك ذلك أجمع طلبا للرياسة الباطلة حتى إذا قيل له : اتق اللّه أخذته العزّة بالاثم ، فحسبه جهنّم ولبئس المهاد « 1 » .
فهو يخبط خبط عشواء ، ويقوده أوّل باطل إلى أبعد غايات الخسارة ، ويمدّه ربّه بعد طلبه لما لا يقدر عليه في طغيانه ، فهو يحلّ ما حرّم اللّه ، ويحرّم ما أحلّ اللّه ، لا يبالي ما فات من دينه إذا سلمت له رئاسته التي قد شقي من أجلها ، فأولئك الذين غضب اللّه عليهم ولعنهم وأعدّ لهم عذابا مهينا .
ولكن الرجل كلّ الرجل نعم الرجل هو الذي جعل هواه تبعا لأمر اللّه ، وقواه مبذولة في رضى اللّه ، يرى الذّل مع الحق أقرب إلى عزّ الأبد من العزّ في الباطل ، ويعلم انّ قليل ما يحتمله من ضرائها يؤديه إلى دوام النعيم في دار لا تبيد ولا تنفد ، وانّ كثير ما يلحقه من سرّائها ان اتبع هواه يؤديه إلى عذاب لا انقطاع له ولا زوال .
فذلكم الرجل نعم الرجل ، فبه فتمسكوا ، وبسنته فاقتدوا ، وإلى ربكم فبه فتوسّلوا ، فانّه لا ترد له دعوة ، ولا تخيب له طلبة « 2 » .
ونقل بسند معتبر انّ أمير المؤمنين عليه السّلام قال : قطع ظهري رجلان من الدنيا ، رجل عليم اللسان فاسق ، ورجل جاهل القلب ناسك ، هذا يصدّ بلسانه عن
هامش
( 1 ) استشهاد بالآية 206 من سورة البقرة .
( 2 ) الاحتجاج 2 : 159 ح 192 - مثله البحار 2 : 84 ح 10 باب 14 - عن تفسير الإمام العسكري عليه السّلام .