ويؤيّده مفهوم قوله : « ما أصرّ من استغفر » وقوله عليه السّلام في تفسير قوله سبحانه وتعالى :
وَلَمْ يُصِرُّوا
47 : « الاصرار أن يحدث الذنب فلا يستغفر اللّه » 48 . وقد عدّ عليه السّلام في حديث جنود
شرح
ويدلّ على هذا مضافا إلى ما ذكرناه في الحاشية السابقة من أنّ تمام الملاك في صدقه إنّما هو تكرار المعزوم عليه والمفروض انتفائه ، ما رواه في الكافي عن عليّ بن إبراهيم عن ابن فضّال عن حفص المؤذّن عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال في رسالته إلى أصحابه : « وإيّاكم والإصرار على شيء ممّا حرّم اللّه في ظهر القرآن وبطنه ، وقد قال اللّه سبحانه وتعالى :وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَيعني المؤمنين قبلكم إذا نسوا شيئا ممّا اشترطه اللّه في كتابه عرفوا أنّهم قد عصوا اللّه في تركهم ذلك الشيء فاستغفروا ولم يعودوا إلى تركه ، وهذا معنى قول اللّه عزّ وجلّوَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ . . .الخبر » ، حيث إنّه جعل الإصرار عبارة عن العود إلى المعصية ومن المعلوم أنّه لا يتحقّق إلّا بفعلها مرّة أخرى .
وأمّا قوله عليه السّلام في تفسير قوله سبحانه وتعالى :وَالَّذِينَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً أَوْ ظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ ذَكَرُوا اللَّهَ فَاسْتَغْفَرُوا لِذُنُوبِهِمْ وَمَنْ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ إِلَّا اللَّهُ وَلَمْ يُصِرُّوا عَلى ما فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ :« والإصرار أن يحدث الذنب فلا يستغفر اللّه ولا يحدث نفسه بالتوبة ، فذلك الإصرار » فيمكن أن يقال إنّ عدم الاستغفار المراد منه العزم على العود كناية عن العود من باب ذكر المقتضي بالكسر ، وإرادة المقتضى بالفتح ، فكأنّه قال : والإصرار أن يحدث الذنب فيعود إليه ، والدليل على هذا التصرّف ما ذكرناه سابقا في بيان حقيقة مفهوم الإصرار وأنّه لا بدّ فيه من العود بمقتضى اشتقاقه من الصرّ بمعنى الشدّة .
وأمّا ما في حديث جنود العقل والجهل ففيه منع كون التوبة والإصرار ضدّين لا ثالث لهما مثل الحركة والسكون ؛ إذ هنا صور لا تندرج تحت واحد منهما ، كما إذا عصى غير عازم على العود حين الفعل بأن تردّد فيها أو لم يلتفت إليها ، فإنّه غير داخل في التوبة قطعا ولا يدخل عنده تحت الإصرار ؛ لما سيصرّح به فيما بعد ، وليس في السياق ظهور في نفي الثالث ، ولو سلّم فيمكن أن يكون مبنيّا على الغالب من تكرار المعصية والعود إليها مع عدم التوبة .
وأمّا التأييد بحسنة ابن أبي عمير ، فيعلم الخدشة فيها ممّا سبق ؛ حيث إنّه يمكن أن يكون حمل المصرّ على من لم يندم في قوله : « ومن لم يندم عليها كان مصرّا » من قبيل حمل المقتضى بالفتح عليه بالكسر مثل قولك : ومن لم يتهاون في الاشتغال كان مجتهدا .