أنّ ما دلّ عليه هذه الأدلّة هو ثبوت الولاية للفقيه في الأمور التي يكون مشروعيّة إيجادها في الخارج مفروغا عنها ، بحيث لو فرض عدم الفقيه كان على الناس القيام بها كفاية . وأمّا ما يشكّ في مشروعيّته كالحدود لغير الإمام ، وتزويج الصغيرة لغير الأب والجدّ وولاية المعاملة على مال الغائب بالعقد عليه وفسخ العقد الخياري عنه ، وغير ذلك ، فلا يثبت من تلك الأدلّة مشروعيّتها للفقيه ، بل لا بدّ للفقيه من استنباط مشروعيّتها من دليل آخر . نعم ، الولاية على هذه وغيرها ثابتة للإمام عليه السّلام بالأدلّة المتقدّمة المختصّة به ، مثل آية
أَوْلى بِالْمُؤْمِنِينَ مِنْ أَنْفُسِهِمْ .
وقد تقدّم : أنّ إثبات عموم نيابة الفقيه عنه عليه السّلام في هذا النحو من الولاية على الناس - ليقتصر في الخروج عنه على ما خرج بالدليل - دونه خرط القتاد .
وبالجملة ، فهاهنا مقامان : أحدهما ، وجوب إيكال المعروف المأذون فيه إليه ؛ ليقع خصوصيّاته عن نظره ورأيه ، كتجهيز الميّت الذي لا وليّ له ، فإنّه يجب أن يقع خصوصيّاته من تعيين الغاسل والمغسل وتعيين شئ من تركته للكفن وتعيين المدفن عن رأي الفقيه .
الثاني : مشروعيّة تصرّف خاصّ في نفس أو مال أو عرض . والثابت بالتوقيع وشبهه هو الأوّل دون الثاني ، وإن كان الإفتاء في المقام الثاني بالمشروعيّة وعدمها أيضا من وظيفته ، إلّا أنّ المقصود عدم دلالة الأدلّة السابقة على المشروعيّة . نعم ، لو ثبتت أدلّة النيابة عموما تمّ ما ذكر .
ثمّ إنّه قد اشتهر في الألسن وتداول في بعض الكتب رواية " أنّ السلطان وليّ من لا وليّ له " وهذا أيضا - بعد الانجبار سندا أو مضمونا ( 2755 ) -
شرح
الحديث من أدلّة ذلك ، فيدلّ على أنّ المراد من الأمور هنا هو الأمور المطلوبة للرئيس ، وهو هنا الشارع ، والمطلوبيّة لا تنفكّ عن المشروعيّة ، وهذا بخلاف المعروفيّة - أي : الحسن والإحسان - فهي أعمّ من وجه من المشروعيّة . فتوهّم أنّه لم يظهر ذلك ممّا ذكره في السابق ناش من عدم التأمّل في مزايا كلامه قدّس سرّه . كما أنّ توهّم أنّ اعترافه بكون النسبة بين التوقيع وبين مثل « كلّ معروف صدقة » عموما من وجه ظاهر في عدم اعتبار المشروعيّة فيما للفقيه ولاية فيه ، وإلّا لما كانت النسبة عموما من وجه ، ناش من عدم الفرق بين المعروف والمشروع ، فتأمّل جيّدا .
2755 . منشأ الترديد هو الشكّ في أنّ المتداول في الألسنة متن الرواية ونقلت باللفظ ، أو مضمونها ونقلت بالمعنى .