فلا يجوز الاستدلال على سببيّة المعاطاة في الشريعة للتمليك بعموم تسلّط الناس على أموالهم ، ومنه يظهر أيضا عدم جواز التمسّك به لما سيجئ من شروط الصيغة . وكيف كان ، ففي الآيتين مع السيرة كفاية . اللّهمّ إلّا أن يقال : إنّهما لا تدلّان على الملك ( 1334 ) ، وإنّما تدلّان على إباحة جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك كالبيع والوطء والعتق والإيصاء ، وإباحة هذه التصرّفات إنّما تستلزم ( 1335 ) الملك بالملازمة الشرعيّة الحاصلة في سائر المقامات من الإجماع وعدم القول بالانفكاك ، دون المقام الذي لا يعلم ذلك منهم حيث أطلق القائلون بعدم الملك إباحة التصرّفات .
وصرّح في المسالك : بأنّ من أجاز المعاطاة سوّغ جميع التصرّفات 54 ، غاية الأمر أنّه
شرح
1334 . يعني : الملك من أوّل الأمر الذي قوّاه المصنّف قدّس سرّه تبعا للمحقّق الثاني قدّس سرّه .
1335 . هذا جواب عن سؤال ، وهو أنّ الدليل على النحو المذكور من الإباحة إنّما يدلّ على الملك من أوّل الأمر ، لوجود الملازمة بينهما كما في غير مقامنا هذا من البيوع القوليّة ، إذ لا إشكال فيها في حصول الملك من حين العقد ، مع أنّ الآيتين لا تدلّان فيها أيضا على أزيد من إباحة جميع التصرّفات ، فلا بدّ أن يكون استفادة الملك من أوّل الأمر من الملازمة بين الأمرين ، فيثبت المطلوب في المقام ، إذ المفروض بمقتضى الآيتين تحقّق اللازم ، وهو الإباحة المطلقة ، فلا بدّ من تحقّق الملزوم - أعني : الملك - من أوّل الأمر ، وهو المطلوب .
وحاصل الجواب : أنّ الملازمة التي تراها في المقيس عليه مختصّة به لا تتعدّى عنه إلى غيره ، لأنّها ليست بعقليّة ولا عاديّة ، بل شرعيّة محضة حصلت ونشأت من إجماع العلماء على الملكيّة من أوّل الأمر ، وعدم القول بانفكاك الملك عن العقد ، وهو موجود في المقيس عليه دون المقام الذي لا يعلم ذلك - أي : عدم القول بالانفكاك بينهما فيه - منهم ، بل علم منهم القول بالانفكاك بينهما فيه ، لأنّهم مع قولهم بعدم حصول الملك هنا - أي : في المعاطاة - قد أباحوا جميع التصرّفات حتّى المتوقّفة على الملك على ما يقتضيه ظاهر إطلاق كلماتهم ، حيث لم يقيّدوا التصرّف في كلامهم بغير المتوقّف على الملك . ويشهد على إرادتهم هذا الإطلاق فهم الشهيد الثاني قدّس سرّه ، حيث إنّه صرّح في المسالك بأنّ من أجاز المعاطاة سوّغ جميع التصرّفات ، إذ لا وجه لنسبة ذلك إلى مجوّزي المعاطاة إلّا إطلاق كلماتهم .