وأمّا بذل المال على وجه الهديّة الموجبة لقضاء الحاجة المباحة فلا حظر فيه كما يدلّ عليه ما ورد في أنّ الرجل يبذل الرشوة ليتحرّك من منزله ليسكنه ؟ قال : " لا بأس " 20 . والمراد المنزل المشترك كالمدرسة والمسجد والسوق ونحوها .
وممّا يدلّ على التفصيل في الرشوة بين الحاجة المحرّمة وغيرها رواية الصيرفي ، قال :
" سمعت أبا الحسن عليه السّلام وسأله حفص الأعور ، فقال : " إنّ عمّال السلطان يشترون منّا القرب والإداوة فيوكّلون الوكيل حتّى يستوفيه منّا ، فنرشوه حتّى لا يظلمنا ؟ فقال : لا بأس بما تصلح به مالك . ثمّ سكت ساعة ، ثمّ قال : إذا أنت رشوته يأخذ منك أقلّ من الشرط ؟ قلت :
نعم ، قال : فسدت رشوتك " .
وممّا يعدّ من الرشوة أو يلحق بها المعاملة المشتملة على المحاباة كبيعة من القاضي ما يساوي عشرة دراهم بدرهم ، فإن لم يقصد من المعاملة إلّا المحاباة التي في ضمنها ، أو قصد المعاملة لكن جعل المحاباة لأجل الحكم له - بأن كان الحكم له من قبيل ما تواطئا عليه من الشروط غير المصرّح بها في العقد - فهي الرشوة . وإن قصد أصل المعاملة وحابى فيها لجلب قلب القاضي فهو كالهديّة ملحقة بالرشوة . وفي فساد المعاملة المحابى فيها وجه قوي .
ثمّ إنّ كلّ ما حكم بحرمة أخذه وجب على الآخذ ردّه وردّ بدله مع التلف إذا قصد مقابلته بالحكم كالجعل والأجرة ، حيث حكم بتحريمهما وكذا الرشوة ؛ لأنّها حقيقة جعل على الباطل ؛ ولذا فسّره في القاموس بالجعل 21 . ولو لم يقصد بها المقابلة ، بل أعطى مجانا ليكون داعيا على الحكم وهو المسمّى بالهديّة ، فالظاهر عدم ضمانه ( 402 ) ؛ لأنّ مرجعه إلى هبة مجّانية فاسدة ، إذ الداعي لا يعدّ عوضا ، و " ما لا يضمن بصحيحه لا يضمن بفاسده " ، وكونها من " السحت " إنّما يدلّ على حرمة الأخذ لا على الضمان . وعموم " على اليد "
شرح
المقابلة حراما ، فأخذه له على وجه المقابلة أولى بالحرمة . هذا ، ولكن قد مرّ الإشكال في دلالتها على حرمة الهديّة من المهدي ، فراجع .
402 . بل ضمانه ، لوجود المقتضي وهو اليد ، وعدم المانع ، لما سيجيء في المقبوض بالعقد الفاسد من عدم المدرك لقاعدة ما لا يضمن ، وأنّ المانع من تأثير اليد مشروط بما كان رضا المالك بالتصرّف واقعيّا لا ظاهريّا ناشئا من البناء على حصول شيء غير واقع جهلا أو تجاهلا ، وهو منتف في المقام . وسيتّضح ذلك في تلك المسألة إن شاء اللّه .